نزيهة أديب/فردوس المختار، صاحبتا الكتاب الأكثر مبيعاً

2021-03-29

 لمطبخ ما بين النهرين، تاريخ طويل وعريق يعود إلى حقبة السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين، فبعضاً من الألواح والرقم الطينية التي عُثرَ عليها في العراق تُظهر وصفات عديدة لتحضير الطعام والذي كان يُعدّ ويهيئ في المعابد أثناء الأعياد الدينية، ومنها نفس أنواع الطعام المعروفة حالياً مع اختلافات بسيطة فرضتها طبيعة التطور الزمني . والمطبخ العراقي يمتاز برائحته الزكية، ونكهته الخاصة، ولذته النفيسة . وللمرأة العراقية يداً طولى في هذا المضمار  .

الكتاب الذي لا يحتاج الى تعريف 

 
 
 
كان من الهدايا التي تؤخذ بنظر الإعتبار لمن تُقبل على الزواج، حيث تستقبله العروس بفرح من تجد الإنقاذ في حياة جديدة قد يقلقها فيها أمر الطبخ ( وهي تسمع من العارفات أن أقرب طريق لقلب الرجل معدته )... ثم أصبح جزءاً من جهاز العرائس لا يقل أهمية عن ملحقات أساسية أخرى... ولأهميته أصبح مادة دراسية في درس التدبير المنزلي، في المرحلة المتوسطة، وبالتالي فقد وجد طريقه إلى كل بيت .

إن قيمة هذا الكتاب تأتي من أنه ليس كأي كتاب تُدرج به الأطباق، مقاديرَها، وطريقة صنعها فقط، بل أن أهميته جاءت من كونه كتاب أُدرجت فيه دراسة علمية مهمة للتغدية الصحية، ومعلومات ثقافيه في التغذيه والغذاء وشرح للمواد الغذائية، أنواعها، وظيفتها في الجسم، والسعرات الحراريه وكيفية خزنها بالجسم، كما يتطرق في ال 88 صفحة الأُولى منه،  للمطبخ والاواني وأنواعها، وعدد السعرات للمواد التي تدخل في الأطباق التي يحتويها الكتاب، وكذلك اتكيت المائدة وترتيبها وآدابها، مع شرح وافي لأدوات ومحتويات المطبخ  . وما يتبقى من صفاحاته ال 478 أنواع من الأطباق مرتبة حسب فهرس دقيق ..

وما زال هذا الكتاب يتربع على عرش مبيعات كتب الطبخ العربية، ويعد أكبر موسوعة غذاء وتغذية يحتاجها كل بيت عربي .

وفاة العراقية نزيهة اديب مؤلفة كتاب دليل الطبخ والتغذية

دليل الطبخ والتغذية

في عام 1965م تلاقف البغداديون بلهفة منقطعة النظير نسخ الطبعة الأولى من أحد أشهر الكتب في العراق، هو دليل الطبخ والتغذية.. ونفذت نسخه من السوق بسرعة غير متوقعة، وتزايد الطلب عليه، في بغداد وفي المحافظات العراقية الأخرى، وتوالت الطبعات حتى وصلت في بضع سنوات إلى ستّ عشرة طبعة، وبيعت منه مئات الآلاف من النسخ وهو رقم لم تنافسه في العراق إلّا الكتب التي لها قدسية لدى القراء..

حكاية إبداع وتحدي

عمِلت “نزيهة أديب”، وصديقتها التي شاركتها في التأليف والإعداد السيدة “فردوس المختار” - والتي كانت مدرّسة مادة الإقتصاد المنزلي في نفس المعهد-  في بداية شبابهما بجد ومثابرة استمرت سنتان كاملتان لكتابة محتويات وتفاصيل هذا الكتاب، وترتيب فصوله، وتثبيت الأطباق التي يحتويها الكتاب، والتي اقتنعتا بأهميتها بعد تجربتها، وبذا فقد أنجزتاه في عام 1966، بحجم كبير وعدد كبير من الصفحات . لقد تم اعداد هذا الكتاب بعد جهد وعمل شاق متواصل . وعن هذه المرحلة تقول السيدة أديبة :

بعد ان أنجزنا عملنا، عرضنا الكتاب للبيع وبقينا ننتظر النتيجة بقلق وحذر وترقب، وإذا بالكتاب  ينفذ بسرعه غير متوقعه مما اضطرنا إلى أعادة طبعه مرات، حتى وصلت عدد الطبعات إلى ستة عشر طبعة، ويعتبر رقم قياسي بالنسبه للكتب العربية .

ولمحدودية إمكانياتنا المادية، كان من الصعب طبعه في المطابع الأهلية آنذاك،  فلجأنا الى طبعه بأجور زهيدة لا تتعدى كلفة الورق والحبر، وقام حينها الرسام والخطاط “ناظم رمزي”، بتصميم وعمل الغلاف فظهر الكتاب بحلّة مُرضية ومبهرة نسبياً . وكانت عدد النسخ المطبوعة في طبعته الأولى ألف نسخة، كتجربة أولية، فلاقى ردة فعل ايجابية، وكان بيعه بشكل محدود بين الأهل والأقرباء والأصدقاء ثمَّ أصدقاء الأصدقاء وهكذا .

وبما أن نتيجة الطبعة الأُولى كانت مشجعة، لذا قمنا بطبعه بكمية أكبر، فنفذت  خلال فترة زمنية قصيرة وهي 45 يوماً، كانت مفاجأة حقيقية لها فرحتها التي لا توصف، وبدأت التلفونات والطلبات تنهال علينا، عندها شعرنا أن الحاجة باتت ملحّة لطبع الكتاب طبعة ثانية، مما شجّعنا أن نذهب إلى شارع المتنبي -شارع المطابع والكتب- ونتفق مع مطبعة الإرشاد على طبعة جديدة بخمسة آلاف نسخة هذه المرة . وأخذ الكتاب يشتهر شيئاً فشيئاً وأصبح مطلوباً بقوة من كل مكتبات بغداد والمحافظات، بعدها توالت طبعات أخرى منقّحة ومَزيدة . 

دليل

لقد واجهتنا الكثير من العراقيل والصعوبات، خلال الظروف القاسية المؤلمه التي مر بها بلدنا العراق، في حقبة السنوات العجاف والتي قاسينا منها جميعا، ولكن بالرغم من ذلك، وبصراع مع التحديات والعقبات، استطعنا من تطويره وتنقيحه ليتماشى مع النظريات الحديثة في الغذاء والتغذية، وأعدنا طبعه للمرة السابعه عشر مع أضافة بعض الصور الملونه والعمل على طبعه بأسلوب جديد معاصر .

 لا غرابة على المرأة العراقية  ذلك الإنجاز الرائع وإنجازات أخرى، مهما كانت قساوة الظروف وصعوبة الحياة، فالإرادة والقدرة حاضرة والعقول مؤمنة وناضجة .

“نزيهة أديب” 

 تعد السيدة نزيهة أديب من أشهر الشخصيات العراقية، لأن كتابها مع زميلتها فردوس المختار، كان ركناً أساسياً من اركان المنزل العراقي، وقد أعان المرأة على معرفة كل فنون الطبخ، وصناعة الحلويات وكل أصناف الأطعمة الشهية واللذيذة والتي تزيد على 900 نوع، فضلاً عن النصائح والتوجيهات عن الأكلات الصحية وترتيب المائدة وآدابها .
والكتاب (دليل الطبخ والتغذية)، كما يصفه الناشرون، يعد تحفة فنية رائعة وموسوعة غذاء وتغذية، وعند صدوره حظي بنجاحات كبيرة لأنه مكتوب بأسلوب مبسَّط .

ولدت السيدة نزيهة في مدينة السليمانية عام 1928، تخرجت من كلية الحقوق في بغداد عام 1946، وعملت مديرة لمعهد الفنون المنزلية، وعُرفَتْ بنجاحها الباهر وحزمها في إدارة هذا المعهد .

تزوجت من الراحل “مهدي كامل مهدي”، الذي شغل منصب مدير عام البطاريات، ولديها ولدان “كامل” و”عماد” .

توفي ولدها “كامل” عام 1982 أثر أزمة قلبية، وتوفي “عماد” أثر حادث سيارة مؤسف في 2018، وأخفوا عنها الخبر حتى وفاتها بصمتٍ وهدوء، في مدينة قبرص التركية، في

آراء وشهادات

* المعمارية أروى الجواري، ابنة شقيقة الراحلة فردوس المختار وشريكة نزيهة أديب، تقول : إن خالتها تعلمت أصول الطبخ البغدادي خاصة، والعراقي عامة من والدتها السيدة هاشميةً، ومن شقيقتها السيدة لطيفة (والدة أروى) واللواتي كن يحضِّرن موائد الضيافة لجدها المرحوم (توفيق المختار) الذي كان نائباً في مجلس النواب الملكي، لدورات عدة حتى منتصف خمسينيات القرن الماضي . واروى التي تعتبر الطبخ فناً حقيقياً، لا يختلف بقيمته عن العمارة، طباخة ماهرة تتلمذت على أيدي والدتها وخالتها الراحلة، وتؤكد أن الطبخ الطيب يعكس نَفَس الروح الطيبة . وتشير إلى أنها تعلمت الكثير من ترتيب المائدة وآدابها ومقادير الأكلات الصحية وطرق تحضيرها من كتاب خالتها  المختار ورفيقتها نزيهة، الذي ساعدها في أن تكون ربّة بيت ناجحة منذ بداية زواجها . وتضيف “وما أزال أتعلم من الكتاب"،  وتذكر أن خالتها فردوس المختار ولغاية رحيلها المفاجئ، كانت تبتكر وصفات لأكلات جديدة ونجربها جميعاً،  وتؤكد أن نجاح تحضير أية طبخة هو بإتقان خطوات العمل  .

دليل1

فردوس المختار

* السيدة نيران محمد، ٥٦ سنة – مُدَرِّسة، تقول إن والدتها أهدتها نسخة من الكتاب مع جهاز عرسها، وهي بدورها اشترت نسخة جديدة منه وأهدتها إلى ابنتها وهي تحضر مستلزمات عرسها، وتشير إلى نقطة مهمة وهي أن مؤلفتي الكتاب، الراحلتين نزيهة أديب وفردوس المختار، كانتا ضمن الكادر التدريسي لمعهد الفنون المنزلية الذي كانت تتخرج منه معلمات درسي التربية الفنية والاقتصاد والتدبير المنزلي للمدارس، وفي نفس الوقت، وتضيف “حتى الآن لا أجد سبباً مقنعاً لإلغاء هذا المعهد المهم والضروري في بدابة سبعينيات القرن الماضي، ولماذا لم تفكر وزارة التربية في إعادته ؟” وأكدت أن درس الإقتصاد والتدبير المنزلي مهم جداً، وربما كان سبباً في انخفاض نسبة الطلاق بين الأجيال التي درّستها” .
وتؤكد السيدة نيران أن الكتاب ساعدها في أن تكون طباخة ماهرة وعرفت كيف تدخل قلب زوجها من خلال معدته ...

بتاريخ 11-1-2013 نُشرت رسالة  تبدأ بعبارة “إهداء من نزيهة أديب وفردوس المختار إلى العراقيين في الداخل والخارج، في الرسالة شَرحٌ لما حدث من إعادة نشر الكتاب وهدر حقوق المؤلفتين.. وخُتمت الرسالة بالقول “… ولذا فإننا وبكل فخر واعتزاز قررنا أن نضع الكتاب على صفحات الإنترنت هدية خالصة ومتواضعة لكافة السيدات والذوات الذين قد يصعب عليهم الحصول عليه لسبب ما، ونأمل أن ينال ذلك رضى الجميع ويساعد الكثير في إعداد ما اعتادوا عليه من الأطعمة التي اشتهر بها العراقييون دائما”..

بوفاة هذه الرائدة، خسر العراق علماً آخر من أعلامه النجباء ورمزاً من رموز الذوق الرفيع .

 

 

عالية كريم

رئيسة تحرير "معكم"

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
© 2021 جميع حقوق الطبع محفوظة © 2021 Copyright, All Rights Reserved