العنف الاقتصادي المسلّط على المرأة التونسية معاناة متواصلة وحلول مؤجلة

2021-03-18

العنف الاقتصادي المسلّط على المرأة التونسية معاناة متواصلة وحلول مؤجلة

عن وكالة أخبار المرأة

لا يمكن أن تغيب عن ذاكرة المواطنين حقول الزيتون في الأرياف التونسية الملطخة بدماء العاملات في القطاع الزراعي، وذنبهن الوحيد بأنهن ضحايا الحوادث المأساوية في قطاع غير منظّم. إذ يكاد يتكرر مشهد الحوادث التي تتعرض لها العاملات مما دفع البعض إلى تسميتهن ضحايا «شاحنات الموت» التي تقلّهن من منازلهن في الأرياف إلى الحقول البعيدة لجني الزيتون وغيره دون أدنى التزام بقواعد السلامة البدنية والمرورية .
وتروي مبروكة.ب يومياتها في العمل في قطاع جني الزيتون حيث تضطر إلى الاستيقاظ فجرا لعجن الخبز وتحضير طعام الإفطار لأبنائها قبل ذهابهم للمدرسة وتنتظر قدوم الشاحنة التي ستقلّها في ظروف جد خطيرة إلى الحقول البعيدة. فتمضي يوما كاملا مع باقي الفلاحات في جني الزيتون. وتقول: «أعلم اني قد أخرج يوما صباحا ولا أعود إلى منزلي وأولادي بسبب حوادث الشاحنات المتكررة التي قد أكون إحدى ضحاياها ولكن ليس لدي حل سوى العمل لتأمين متطلبات عائلتي وأولادي». يشبّه البعض العاملات والعاملين في القطاع الفلاحي بالأقنان الذين كانوا في العصور الوسطى يعملون في أراضي النبلاء مقابل أجر زهيد. وإن كان الأمر ليس بهذا القدر من السوء في تونس وأن الوصف فيه مبالغة، إلا أن وضعية العاملات في القطاع الزراعي مزرية من حيث الأجر الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ومن حيث ظروف العمل حيث يتم نقلهن قبل مطلع الفجر في شاحنات تغيب عنها وسائل السلامة إضافة إلى ساعات العمل الطويلة، ناهيك عن غياب التغطية الاجتماعية .
وكثيرا ما تتعرض هذه الشاحنات لحوادث فتنقلب بين الطرقات الوعرة وتودي بحياة الكادحات من أجل لقمة العيش في مشهد حزين ومؤلم، في الوقت الذي تتصارع فيه الطبقة السياسية من أجل المناصب والنفوذ وتأويل الدساتير غير عابئة بمعاناة هؤلاء. ولسائل أن يتساءل عن كيفية حصول هذا في بلد فيه مركزية نقابية قوية قادرة على فرض إملاءاتها على الدولة، إذ يعتبر البعض الاتحاد العام التونسي للشغل دولة داخل الدولة لما له من نفوذ وأموال ومكاسب قادرة على الأخذ بيد هذه الفئات الهشة وتأمين العيش الكريم لها .
لكن تجدر الإشارة أيضا إلى أن تونس تعرضت للحقوق الاقتصادية للمرأة في نص قانوني يتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة وجاءت في هذا القانون أحكام صارمة وعقوبات قاسية وتوسع في مفهوم العنف ضد المرأة ليعتبر اضطهادها في العمل والتمييز في الأجر بينها وبين الرجل نوعا من أنواع العنف. وبات لزاما على الدولة بمقتضى هذا القانون أن تقوم بكل الإجراءات اللازمة للقضاء على كل تمييز ضد المرأة فيما يتعلق بالأجر الذي تتحصل عليه في عملها وبالتغطية الاجتماعية التي يجب أن تنالها سواء في القطاع العام أو الخاص. كما منع القانون «استغلالها اقتصاديا وتشغيلها في ظروف قاسية أو مهينة أو مضرة بصحتها وسلامتها وكرامتها» .
دور المجتمع المدني
ومع ارتفاع الحوادث المأساوية التي يشهدها القطاع الزراعي سنويا، ارتفعت أصوات عديدة تطالب بحماية النساء ودعمهن ليعملن في ظروف محترمة ولائقة. ويلعب المجتمع المدني دورا هاما في هذا الحراك لتسليط الضوء على العاملات المهمّشات، وقد أطلقت جمعية «النساء التونسيات للبحث حول التنمية» مؤخرا حملة تحسيسية للتوعية ضد العنف الاقتصادي الذي يمارس على النساء في تونس في القطاع خاصة الزراعي والمنزلي. واختار القائمون على الجمعية ان تكون انطلاقة الحملة بعرض فيلم وثائقي يتناول شهادات للعاملات في الأرياف تحت اسم «الزيتونة وما سمعت». وتؤكد العاملات في هذا القطاع بأنهن تعرضن لمختلف أنواع العنف سواء الاقتصادي الذي يتعلق بالتمييز في الأجر، أو التحرش الجنسي وبعضهن اختار الصمت بسبب ضغوط المنظومة الاجتماعية. كما توثق الشهادات المعروضة في الفيلم مسألة التمييز الجنسي والذي يترجم في طريقة التعامل الدونية من قبل أرباب العمل مع النساء أو التعرض لمختلف أنواع الانتهاكات المعنوية وحتى العنف اللفظي. وبحسب دراسة أعدها الاتحاد العام التونسي للشغل فإن العاملات الزراعيات يتقاضين فقط 15 دينارا في اليوم يحتسب منها كلفة التنقل، مقابل 13 ساعة من العمل المضني اليومي. كما تؤكد الأرقام أن 3 بالمئة فقط من العاملات في القطاع يتمتعن بالتغطية الاجتماعية، وذلك رغم ان قطاع زيت الزيتون له دور أساسي في الحياة الاجتماعية والاقتصادية في تونس حيث يمثّل الزيتون 15 بالمئة من المنتوج الزراعي في البلاد، فيما يمثل زيت الزيتون 50 بالمئة من الصادرات الزراعية و 5.5 من الصادرات العامة للبلاد، وهو مصدر رزق مباشر لأكثر من مليون شخص .
وتؤكد الباحثة في علم الاجتماع ومنسقة مشروع تقليص الفوارق في جني الفوائد من قطاع زيت الزيتون بجمعية النساء التونسيات للبحث والتنمية أميرة يعقوبي، في مداخلتها بأن هذه الجمعية التي تأسست في كانون الأول/يناير 1989 تشتغل بالأساس على مناهضة ومكافحة كل أشكال العنف ضد النساء المبني على النوع الاجتماعي، وترعى مختلف المشاريع الموجهة لحماية النساء ودعمهن بالتعاون مع عدد من منظمات وجمعيات المجتمع المدني. وتقول: «لقد اشتغلت الجمعية طويلا على مسألة مناصرة جميع الحقوق والحريات للمواطنين والمواطنات على حد سواء وأهم أهدافها ان يصبح المجتمع التونسي فضاء مناسبا وملائما للعيش ولاحترام قواعد العيش المشترك». وتضيف: «الجمعية بمختلف المكاتب التنفيذية كانت شديدة الحرص والتركيز على توعية المجتمع بشأن الحقوق الكونية للإنسان وبأن الحقوق لا تتجزأ. كما رصدت جميع المشاكل التي تواجهها التونسيات وهي مواضيع حصرية لها علاقة مباشرة بخصوصية المجتمع والخصوصيات المحلية في مختلف الجهات التونسية، مع الأخذ بعين الاعتبار الديناميكية الكبيرة وواقع التغير الاجتماعي والثورات الحاصلة في المنطقة وتأثيرها على الواقع المجتمعي». وقالت: «نحن نريد تغيير العقليات والنظرات الاجتماعية التي لديها علاقة بالبُنى العلائقية وبالهيمنة التي تحاول ان تقلل من قيمة المرأة ونظرة المجتمعات للنساء والفئات المهمشّة بالأساس» .
وتؤكد محدثتنا بأن الجمعية تضم مختلف الباحثين والباحثات ومختصين ومختصات في علم النفس والاقتصاد والاجتماع وكل الاختصاصات التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالدراسات التي ترتكز على البنية العلائقية ومدى تأثير المجتمع الذكوري والسلطة الأبوية على البنى العلائقية، وعلاقات الهيمنة بين النساء والرجال وعلاقة السلطة الأبوية ومن ذلك علاقتها بتأنيث التهميش والفقر والهشاشة. وتضيف: «لذلك نحن نحاول ان نجابه الوصاية الأبوية والذكورية على إرادات النساء والفتيات لكي يكون لهن هامش للتحرك ولا يكنّ محكومات بمختلف الأحكام الزجرية التي تمسّ مواطنيتهن» .
المقاربات والاستراتيجيات
وعن واقع العاملات في القطاع الزراعي والحلول لمعالجة الوضع المأساوي الهش تجيب محدثتنا: «اشتغلنا من خلال مقاربة النوع الاجتماعي، على مختلف القطاعات وبالأساس الزراعي ووضعيات الهشاشة، باعتبار ان جني الزيتون هو قطاع موسمي ولا يخضع لقواعد الهيكلة. لذلك نجد ان جميع العاملين في القطاع من نساء أو رجال لا يتمتعون بتغطية اجتماعية ويعيشون في عنف مضاعف خاصة النساء». وتردف: «أجور النساء أقل بكثير من التي يتقاضاها الرجال» وبينت الباحثة أن هذه المسألة تتحكم فيها بالأساس المعايير الاجتماعية والنظرة الدونية للنساء. وتضيف: «في جانب آخر وانطلاقا واستنادا إلى مقاربة النوع الاجتماعي، نحاول إقامة علاقات شراكة مع مختلف الجمعيات والمنظمات للتمكن من إعداد وإنجاز استراتيجيات ناجعة تحاول ان تخرج العاملات والعاملين من الهشاشة باعتبار أن النساء هنّ الحلقة الأضعف» .
وترى محدثتنا بأنه رغم مختلف الحملات التحسيسية ومختلف القوانين التي تمّ تفعيلها – خاصة التي دخلت حيز التنفيذ على غرار قانوني 58 و 51 والذي يضمن جميع حقوق النساء كاملة غير منقوصة وحقوق الفلاحات بصفة خاصة، لكن هناك نقصا كبيرا في تطبيق القوانين التي تكافح جميع أشكال العنف المبني على العنف الاجتماعي. وبينت بأنه ليست هناك إرادة سياسية فعلية لإخراج النساء من منطق العنف لان الإرادة السياسية تنبع بالأساس من منطق الوعي ومن اقتناع تام بان الحقوق لا تتجزأ وبأن مسألة الحقوق والحريات والمواطنية يجب أن تكون كاملة غير منقوصة بأي شكل من الأشكال .
وتؤكد سيرين الرحالي الناشطة المدنية في جمعية النساء التونسيات  بأن هناك برنامجا يُجرى العمل به حاليا فيما يخص قانون 58 ومناهضة كل أشكال العنف ضد النساء، وبرنامج عمل آخر يتعلق بالعاملات في المنازل لضمان حقوقهن. وتقول إن الجمعية تضمّ مركزا لتوجيه النساء ضحايا العنف ومركز إيواء لهن، مبينة أن الجمعية تخصص لهنّ أنشطة ثقافية واقتصادية واجتماعية وتساعدهنّ على بعث مشاريع خاصة بهنّ مثل إعداد الحلويات وغيرها لكي يتمتعن بالاستقلالية المالية. وقالت إن «الجمعية ارتأت ان تنطلق بحملتها التحسيسية حول العنف المسلط على النساء بعرض فيلم يتحدث عن موضوع قطاع جني الزيتون والهشاشة التي تعيشها العاملة في القطاع وهي هشاشة مضاعفة لأن العاملة امرأة بالدرجة الأولى ولأنها تشتغل في هذا القطاع غير المهيكل والمقونن بالدرجة الثانية» .

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
© 2021 جميع حقوق الطبع محفوظة © 2021 Copyright, All Rights Reserved