وكما يصادف غريق ناج من سفينة محطّمة غريقاً ناجياً مثله، صادفت صديقي الدكتور محمد حسين الأعرجيّ في مدينـة الرباط المغربية عام 1979م.وما كنت أظنّ أني سأصادفه، ولكن صدق الشاعر حين قال:
" وقد يجمع الله الشتيتينِ بعدما*** يظنانِ كلَّ الظنّ أنْ لا تلاقيا "
وبعد هذا اللقاء بعقدين من الزمن-فيهما الوصل والقطع-أقام هو في مدينة بوزنان البولندية قادماً من ليبيـا، وأقمت أنا قبله ببضع سنوات في مدينة أوتاوا الكندية قادماً من المغرب. ومالبثت أن اكتشفت مقامه بواسطة الدكتورغانم حمـدون-زاد فضله- صدفة. فأخذنا نتهاتف تارة، ونتكاتب تارة أخرى :
ومما دار بيننا في أول مهاتفة بعد انقطاع أن خاطبته بكنيته (أبوعلي) التي اعتدت أن أخاطبه بها يوم كان أعزب. ففاجأنـي قائلاً: (أبوعلي) صار(أبوهاشم) اليوم. فسرني أنه تأهل. وشعرت بأنّ بذرة الحياة الإنسانية لن يميتها طاغيـة، ولن يواريهـا منفىً. لقد أورق وأفرع وأثمر، رغم رياح اليأس التي أسقطت كلّ ما لليسار العراقيّ السياسيّ من أمنيات خُضرٍ إلا أمنيـة واحدة أبت أن تسقط من غصن أحلام صديقي أبي هاشم:ـهي ألا يموت قبل أن يموت الطاغية في العـراق. ومما كتب لي عن أمنيته هذه من بوزنان في6/6/1999م قوله:
"...إن لي رجاء عندالله - وأرجو ألا يكون أميّاً على حد تعبيرالماغوط- هوألا أموت قبل أن أرى مصير صدام وأمثالـه من الطغاة السفلة وقديما قال الشاعر الجاهلي:
وإنّ حياة المرء بعد عدوّه *** ولو ساعة من عمره لكثير"
وقبيل أن يستجيب الله لرجائه هذا بمدة قصيرة، كتب لي- وكنت معلولاً بين الميّت والحيّ- من مغتربـه في بولنـدا،فـي 4/3/2003م واصفاً قلقه إزاء"الكارثة المقبلة"على وطننا العراق. وكتب لي كذلك من بوزنان في 12/12/2003م قائلاً:
"...أمل حبيب إلى نفسي أن نلتقي في العراق، وأن نذرع شوارع النجف..."
وكانت هذه الرسالة آخر ماكتب لي ثم ضاع مع ما ضاع مني من كنوزعراقية نفيسة. وشاءت الأقدار ألا أصادفه ثانيـة كما صادفته في المغرب الأقصى من قبل، وألا أكتشفه ثانية كما أكتشفته في بولندا من قبل، مشيئة أبدية مطلقة.
ولم تمضِ إلا سنون قصار كطيف في منام، إذا رسالة مقتضبة جداً من صاحبي الأقدم الأستاذ خالـد جـواد شـبيل فـي 28/12/2010م يقول فيها:
" أخي أبا نوفل. يعزّ عليّ أن أنعى محمد حسين الأعـرجي.لقد أفجعني رحيله.بكيته بحرقة. البقاء في حياتـك. خالـد."
بدأ خبر رحيله صغيراً صغر رصاصة تخترق القلب،ثم راح يكبر شيئاً فشيئاً،كسرطان في الروح لا الجسـد.هكـذا تأتـي الأخبار الموجعة إلى الغرباء عن أوطانهم. تبدأ ولا تكاد تنتهي.هذه هي أحدى أحوال الغربة المكانية التي كابـدها صديقي الراحل خلال ربع قرن.وماذا كان يطلب جسمه الضئيل من أرض البترول والنهرين العظمين،لكي تضيق به كل ذلك الضيق فيتغرب ويتشرّد مثقلاً بعلمه وأدبه ؟ وعن تغرّبه وتشرّده هذين، كتب لي من بوزنان في 24/2/2003م يقول:
"...أنا أبحث الآن عن ملجأ آخر.لاأعرف أين سيكون؟وعليّ أن أبيع شقتي بأي ثمن، وأن أشحن كتبي بأي ثمن ولكن إلى أين؟ لاأدري...ومع هذه النعمة السنيّة أراني أستطيع أن أضحك وأن أفرح وأن أداعب. وأرفق لك دليـلا على ما أزعـم أرجوزة...لتضحك مما أنا فيه لاأكثر..."
هذا وصف لبعض غربته الخارجية.ولئن كانت تهدّد وجوده البشري حقاً،فإنه ظلّ يسخرمنها،لأنها لاتمثل إلا الوجه الظاهر لغربته الداخلية العميقة التي لايشاركه فيها غريب،ولا يخففها عنه مكان حتى إذا كان الوطن.فهي مقيمة في روحه. وقـد عبّر عنها مرّة كاتباً لي في6/10/1999م:
" أما احجار الغربة التي تسكن الروح فقد ظننت أنها موشكة أن تحجّر روحي لكنني مازلت أقاوم."
وعبّرعنها مرّة أخرى في قصيدته"إلى ولدي سامر" قائلا:
"سامر يامنفى جديدا حين ألقى بلدي"
***
لم ينقطع صوت الناعي،كنزيف جرح في أغوار النفس:
"...محمد حسين الأعرجي... البقاء في حياتك..."
كبر خبر رحيله في أعماقي بسرعة. ولم يعد كما بدأ.واستباحني صمت وحزن وظلام رغم صخب موسيقى أعياد الميـلاد وأفراحها ومصابيحها التي أضاءت كل مكان موحش إلا روحي. بكيته بعمق وبكيته.وأجهشت ببكاء غير مسموع،وبدموع غير مرئية. واستغربت من الموت الذي لم يمهله بعد أن تشوهت أمنيته الجميلة بالغزو والإحتلال.وكدت أحتج كطفل على الموت الذي طالما قبّلت يده التي تكنس وسخ الطغاة من الأرض حين تعجز الشعوب عن تنظيفها.
وكمن يستفيق من غيبوبة،عدت كلاً إلى نفسي المجزأة كهشيم الزجاج،وجمعتها حتى أمست مجتمعة كصخرة بقناعاتـي القديمة التي شرعت أرددها وأؤكدها لنفسي من جديد:إن الكائن البشري لايميته سقوطه الجسدي من شجرة الحياة وانما يميته سقوطه الفكري.لأن قيمته الحياتية وجوهره يكمن في فكره لاجسده.وما موت الجسد إلا صورة وهمية للموت.وشر الموتى هم الذين تنازلوا عن أفكارهم ذلا وخنوعا وتطفلوا على الحياة بأجسادهم المتحركة كالأشباح. ولله دره حين قال:
" شرف القرد أن يرقّص حرّا*** وأولاء يرقّصون عبيدا "
شعرت بشئ من الراحة فجأة بعد معاناة ذاتية شديدة. وجلوت مرآة الحقيقة لأرى فيها بوضوح أن ما يربطني بصديقـي الراحل ليس المكان(المدينه و...)ولا الزمان(الطفولة و...)ولا ماشابههما من المفاهيم التقليدية السائدة بين الناس.إن ما يربطني به هو موضوع الإنسان: ما يتجاوز حب الذات الى حب الآخر إيثاراً لتحقيق المعنى الإنساني الخالـد.أن تكـون إنسانا هو أن تخرج من حب ذاتك إلى حب غيرك.
ولقد أحب غيره حباً جماً وما كاد" يبقى عليه منه شيئا " - كما تقول الصوفية-: أحب أسرته، وأحب أصدقـاءه،وأحـب أساتذته، وأحب وطنه وشعبه، وأحب الأرض وانسانها وعبّرعن ذلك الحب كله شعرا ونثرا:
أحبّ أسرته. ومن أمثلة حبه إياها أنه بكى ولده سامر،مفجوعاً مكلوماً بأبيات مؤلمة. يحسبه القارئ قد أسرف وبالغ، إذا لم يقف عند حقيقة عاطفته الأبوية،ودرجة عمقها.إذ أن " سامر" هذا قد مات قبل أن تكتمل أشهر الحمل، ويولد .ولتقـرأ معي هذين البيتين من مرثيته"الى ولدي سامر":
"ياغصة في كبدي *** تبقى بقـاء الأبـد
إني أردت سـامراً*** سمير يومي وغدي"
وأنه غنى ولده البكر"هاشم" فرحاً بعبثه الطفولي،وتخريبه البرئ بأبيات، يكاد يقدسه ويعبده فيها شغفا وحدبا.وإليك هذين البيتين من قصيدته"أنت نسكي":
أُداعب هاشماً وأخاف مني *** عليـه أن يؤذيه الدعاب
ويعبث بي ويؤذيني فيندى *** له قلبي وينبعث الشباب"
ومن أمثلة حبه أصدقاءه، وقد جعلهم جيشا يتغلب به على العدو- الغربة، ما كتب لي في12/11/2000م:
"...أفرأيت إلى أيّ حدّ يمكن أن تطولنا لعنة الغربة؟على أنني اتغلب في العادة على هذه اللعنة بمثل هذه العلاقات الحميمة بيني وبين أصدقائي الرائعين القدامى..."
ومن أمثلة حبه أساتذته أنه كان يتفانى في إجلالهم وإكبارهم، وكان يضحي بوقته وبصحته في خدمتهم وإرضائهم .ولـم تكن هذه الصفة خاصة بهذا أو ذاك وانما كانت عامة إنطلاقا من مبدأ:"من علمني حرفاً صيرني عبداً".ورسائله تشهد على ما أزعم.ومنها أنه كتب لي من بوزنان في 2/4/2001م قائلا:
"...انشغلت عن الكتابة إليك بأكثرمن أمر.منها تصحيح كتابي أستاذينا:الدكتور ابراهيم السامرائي وهو عـن" المتنبـي " والدكتور زهير غازي زاهد في جمع وتحقيق "ديوان ابن لنكك البصري"... وأنا مشغول الآن بتصحيح تجربة طبع كتـاب استاذي العلامة الدكتور الطاهر"درة التاج في المختار من شعر ابن الحجاج"..." . وماهذا،لعمري،بقليل ولا يسير.
ومن أمثلة حبه شعبه قبيل الغزو الإمريكي أنه كتب لي من بوزنان في4/2/2003م:
"...ويزيد من أرقي الكارثة المقبلة التي أرجو ألا يكون أهلنا من ضحاياها .فهل ينفع الرجاء؟..."
ولم يكن حبه هذا مقصورا على قوم دون قوم، بل كان يحب العراقيين جميعا .ومما كتب لي ذات يوم في12/11/2000م ، وهو الفتى العربي:
"...وكانت المئوية(يقصد مئوية ميلاد الجواهري التي أقامتها حكومة كردستان)بكل مفرداتها جميلة تدل على وفاء الكـرد وطيبتهم...من محاسن هذه المئوية أن عدلت المثل العربي الجاهلي القائل: أوفى من السموأل.فقد عدلته بأن أقـول بعـد هذا اليوم: أوفى من كردي.."
وأما حبه الأرض وشعوبها، فيتجلى خير تجلّ في هجائه"بوش" ذا القوة العظمى المستكبرة، والمهيمنة عالمياً في قصيدته " تلبية القرن الأمريكي القادم" المنشورة في جريدة الديوان-العدد1-2000م.ولأقتطف لك بعض أبياتها:
"لبيـك فالعالـم لـكْ *** وحدك لاشـريك لكْ
فنحن من قد حمل الـ*** عرش وربّاً جعلـكْ
يابـوش ياإلـه كـلّ *** مالـكٍ ومـا ملـكْ
ومـن بخنصر اليسـ *** ـرى يصرّف الفلك
فاغفـر لنـا ذنوبنـا ***وارحم ضعيفاً نازلكْ
إِلهنـا مـا أعـدلـك*** إِلهنـا مـا أكملـكْ
تفٍّ لعصـر موحـش** على الرقاب حملـكْ"
هذا...ولولا حرصي على تجنّب الإطالة والإملال، لفصّلت وتوسّعت أكثر.غير أني آثرت الإيجاز قاصراً حديثي الآن علـى ذكرياتي عن غربته ومحبته،ولم أتطرق الى موضوعي: طرافته الشخصية،وسخريته الشعرية. وهما من أبـرز خصائصه السلوكية والأدبية.إذ أرجئت المقال عنهما إلى مقام آخر أذكر فيه صديقي الراحل أبا هاشم الدكتور محمد حسين الأعرجي الذي سأل الله أن يحقق له أمنيتين:الاولى ألا يموت قبل أن يرى موت طاغية العراق، والثانية أن نلتقي في العـراق،وأن نذرع معا شوارع الطفولة والصبا والشباب في مدينة النجف. ولقد استجاب له ربه في تحقيق الأولى، وامتنع عن تحقيق الثانية بل استبدلها بسرير من الرمل في مقبرة النجف الكبرى،لكي ينام فيه جسده المتعب بسلام إلى الأبد،مستريحاً مـن عناء السفرين: سفر الهجرة وسفر العودة.ولكي يبقى ذكره الطيب خالداً رغم الفناء...
