هي جائحة ومِحنة بل ومُمتحِنة !

2020-06-27

هنالك قول مأثور يرقى الى المثل السائر، سمعته ممن هم أسنّ منّي :

"تريد عافية من شفاثة؟!" والمثل بليغ تكمن بلاغته في الاستفهام الإنكاري ! وشفاثة هي بلدة عين التمر التأريخية، وإن شئتَ فهي واحة اشتهرت بمعالمها التاريخية في الطريق اليها (40كم) من كربلاء يقع حصن الأخيضر التاريخي.. وهي سوق التمر، يؤمها البدو للتسوق من تمورها الوافرة.. وأنجبت هذه الواحة أعلاماً مشاهير من وزن الحسن البصري وأبي العتاهية .. والفيلسوف المعاصر اللامع محسن مهدي ورئيس الوزراء إبراهيم الأثشيقر الجعفري وهو أيضا فيلسوف على طريقته..

ولعلني أطلت على الأصدقاء في خبر شفاثه.. كانت منفى للشيوعيين في العهد الملكي، وكانت رغم طيب أهلها وهم من عشائر عربية كريمة، بيد أن المدينة كانت مهملة، سيئة الخدمات فلا خدمات صحية ولا بلدية ولا كهرباء ولا ماء جار إلى المنازل حيث كان يجلب من العيون.. وكانت الرياح الصحراوية وإن شئتم زفير الصحراء يحمل الغبار!! فإن كان أهل المدينة متأقلمين مع مدينتهم، فقد كان المنفيون يعانون معاناة حقيقية، فمن يأتيها سليماً يصبح معلولا! ولذلك جرى القول السابق مجرى المثل على ألسنتهم !!

**

الأخبار عن كورونة تترى ولا تسر وهي مختلطة بين تجارب الدجالين مشفوعة بأدعية وتسابيح، وبين أدعية للأئمة وبين بحوث تنتج لقاحات واعدة، وبين أدوية مضادة للفايروسات من أنتاج اليابان لشقيقة كورنا، وأعني بها فايروسات جائحة السارس عام 2003 وقد أعادت إنتاجها الصين ونا فستها عدوتها اللدود الهند بسعر يصل سبع دولارات، أما في العراق فإن معملا في الشقيقة كردستان أتفق مع الجارة الحكومة العراقية بأنه سينتج الدواء الهندي ذا السبع دولارات بستمائة دولار! أترك التعليل والتعليق للأصدقاء لكي يدلو بدلائهم..

أما الأمر الآخر فلا بدّ من وقفة وإنحناء بإجلال للملائكة البيض من أطباء وطبيبات وممرضي وومرضات  العراق الذين برهنوا على شهامتهم وتفانيهم وهم يصارعون المرض اللئيم بصبر وحهد مشرف مضحين بأنفسهم وحيواتهم رغم قساوة الظروف من أجل أنقاذ أهليهم.. فشكراً وألف شكر..

أما الأمر الأكثر أهمية  فإن أعداد المصابين قد تجاوز الألفين في الأيام الأخيرة والموتى في إزدياد وليس في الأمر عجباً فمن أين تأتي العافية ؟ أمن وزارة صحة شحيحة التجهيزات ومعدومة الشروط الصحية تسرح فيها الحشرات والفئران والقطط المتعافية !..  والمراجعون ينتظرون ويعاملون بكل خشونة من قبل الفراشين والفراشات.. مرّة أخبرني - من أثق به - حين أحتج أحد المراجعين على سوء معاملة المسنين الذين أفنوا حياتهم في خدمة البلد؛ فردت علية فرّاشة : لولا رأسك المليان شيب لعملت بك ما عملت.. ولم تفصح ماذا ستعمل لولا "اللولا" !! فطبقت المبدأ البلاغي العربي : الكناية أبلغ من التصريح !

كل الذي قلت  هو قليل فقد: "بلغ السيل الزُبى"..كبار الأطباء في الخارج هبّوا لإنقاذ الوضع وفق التقارير التي تأتيهم من زملائهم العراقيين؛ حيث أن الأمور والحالة تسؤ مع تسنم الوزير الجديد مهامه..

وتتلخص القضية : غياب خطة عمل مدروسة وعدم وجود خلية أزمة لتتابع أين تكمن المشكلة.. فالمراجعون يُخلَطون في المحاجر، أكثرهم غير مصابين بالكرونة وإنما بحالات عارضة، وحين ينتظرون 14 يوم يأتي الدليل ولكن من يضمن عدم تلقيهم العدوى خلال الأسبوعين في الحجر ؟!!

انعدام بروتوكول علاج متفق عليه فمعالجة الحالة فيها كثير من اختلاط الأدوية مما يسبب ما يعرف ب "الانتر أكشن" الذي هو تفاعل الأدوية  الذي لا يقلل من فاعلية الدواء وحسب بل قد يؤدي إلى مخاطر عملية خطيرة.. أي إن الخلل هو استخدام تخميني أو اجتهادي للدواء وليس علمياً دون إشراك المختصين في علم الصيدلة .. اعطاء مسيل الدم مانع التجلط مثل "الهيبارين" بكرم دون مراعاة الحالة مما يتسبب بالسيولة الدموية !!

هذا غيض من فيض..

فقد أصبح من المؤكد أن يبقى الإنسان الذي يحمل علائم وأعراض المرض في بيته مبتعداً عن مساكنيه هو الأسلم والّا سيكون لقمة سائغة للمرض أو للموت!! هذا ما يقوله ويشدد عليه الأطباء المعتبرين ولله در الشاعر عمرو بن الإطنابة :

وقوْلي كُلّما جَشَأتْ وجاشَتْ – مَكانَكِ تُحمَدي أو تَسْتَريحي

27/5-2020

 

 

     

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
© 2020 جميع حقوق الطبع محفوظة © 2020 Copyright, All Rights Reserved