ما حَ
دث للاقتصادات الوطنية العربيّة مُرَوّع، فَبعْد أن كان للدولة سلطة اتّخاذ القرار من حماية نقديّة واقتصاديّة أضحت اليوم، ومنذ عقديْن ونيْف بلا سُلطة، تقريباً، وفي جُلّ البلدان العربية، عَدَا تصريف الشؤون الاجتماعيّة والسياسيّة. مَا عاد للدولة الوطنية العربيّة ذلك النفوذ الكبير الذي يشمل مختلف أوجه الحياة المجتمعيّة، وكان تعليل ذلك في السابق القريب بالانخراط في العولمة والرضوخ القسريّ لأحكام اقتصاد السوق العالمية في زمن الليبيراليّة الجديدة الناشئ، ليتحوّل مركز الاقتصاد الكونيّ من الدُول إلى الشركات الكبرى التي تعود ملكيّتها إلى كبار أصحاب الرساميل في العالم.
إلا أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي للدول العربية يسير بكل أسف من سيئ إلى أسوأ وفي حالة استمراره يمكن أن يؤدي إلى إخفاق ''ربيع الثورات'' بل والانقلاب عليها بثورات مضادة من أعوان النظم السابقة بمساندة ودعم المتضررين من انعكاسات الثورة على حياتهم، فلا شك أن هذه الثورات أدت إلى ازدياد معدلات الفقر والبحث عن عمل والجوع أيضاً في دول ثارت من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة ومن أجل الحرية السياسية والديمقراطية...
بديهيّ أن يَضعف وجود السياسة بوهن الاقتصاد، فالدولة التي كانت تحكم السياسةً بالاقتصاد لم يتبقّ لها من القُوّة إلاّ الأجهزة العسكريّة والأمنيّة والإداريّة، وقد انحصر اقتصادها في مُؤسّسات منتهكة منهوكة يتضاءل عَدَدها باستمرار بعد التفويت في أغلبها للخواصّ لشرائها بقروض مُيسَّرة ثبت أنّه لا يُسَدّدُ منها إلا النزْر القليل، بعد أن تأكّد تورّط أصحاب القرار السياسيّ في تيْسير أعمال ذلك التفويت و جَني أرباح طائلة لهم و لذويهم.
وبهذا الفساد المُتعمَّد فقدت الدولة في جُلّ البلدان العربية قيمتها الوطنيّة المرجعيّة وأضحت جهازًا لتيْسير الخَصْخَصة بعد إنهاك المُؤسّسات و الشركات و تفقيرها كي تُباع سِرًّا في الغالب و بأبخس الأثمان. هذا ما عهدناه في العقديْن الأخيريْن، وعلى وجه الخصوص، وكانت له آثاره المُدَمرة لبنية المجتمع و''الطبقة الوسطى''، الّتي اعتُبرت صمّام الأمان لإقامة التوازن وإدامة الأمن والاستقرار، وللطبقة الفقيرة الّتي ازدادت فقْراً، لتتكدّس الثروات في اتّجاه وتتّسع دائرة الفقر والبطالة وغلاء المعيشة في اتّجاه آخر من غير أن يكون للدولة دور فاعل في مراجعة سياسة التشغيل، إلاّ لِمامًا، وإنهاء جحيم الأسعار ووقْف تدنّي الصحّة و التعليم...
إلاّ أنّ الأحداث الأخيرة الّتي شهدتْها المنطقة العربيّة منذ عام ونيْف بما يُسمّى ''ثورات الربيع العربي '' بدأت تُميط اللثام عن وجه آخر أكثر فظاعة للتآمر على ما تبقى من سيادة الدولة الوطنيّة العربيّة، و ذلك باستهداف آخر ما تبقّى من سلطتها الفعليّة، و تحديدًا كلمتها السياسيّة في تسيير شؤون المجتمع رغم انتقال جُلّ مراجع القرار الاقتصاديّ من دائرتها إلى دوائر أخرى من خواصّ وأطراف أجنبيّة، وكأنّ هذا الذي تبقى لها يُمثل حجر عثرة ينبغي إزاحته بالرجوع إلى الاستعمار القديم من غيْر احتلال مباشر للبلدان بعد أن أحْدثت الرأسماليّة بالتدخّل في كُلّ شيء، ومراقبة كُلّ صغيرة وكبيرة ومعاقبة من يقف في طريق تعميم هيمنتها ببراغماتيّة عجيبة لا تُفارق بين الخصوم و الأنصار، وتُفاجئ الجميع بالانتصار لمصلحتها على أيّ عميل، غير عابئة ''بالأصدقاء'' والأنصار، كالّذي فعلتْه بكلّ من رئيسيْ تونس و ليبيا ومصر واليمن السابقين.
إنّ ما حدث في تونس من انتفاضة شعبيّة فاجأت الجميع ساعد في اللاحق على استخدام ''الفوضى الخلاّقة'' لإرباك كل المنطقة العربيّة، والتسريع في إضعاف دُوَلها خدمةً لقصد إستراتيجيّ يعود بالنفع العميم للّيبيراليّة الجديدة، ويُساعد على توفير الحلول لأزمة الاقتصاد العالميّ على حساب شعوب الجنوب، وإذَا الانهيارات المجتمعيّة الحادثة في تونس و مصر وليبيا واليمن هي بداية مشروع جديد مُحَيّن بالوقائع الجديدة لإعادة تشكيل المنطقة، ووضع اليد على ثرواتها، وإلاّ فكيف نُفسّر غياب مركز القرار السياسيّ اليوم في كُلّ من تونس ومصر، وانقسامه بين المُؤسّسة العسكريّة و القوى السياسيّة والمدنيّة ؟
وهل غياب مركز القرار المرجعيّ في هذين البلديْن، على سبيل المثال، يُراد به اختصار مؤسّسة الدولة في واجهة التمثيل الشكليّ، على غرار ما كان يحدث ولا يزال إلى اليوم في بلدان الخليج العربيّ حيث سيادة الدولة تنحصر في الظهور التلفزيونيّ والسفر لحضور القِمم والمؤتمرات والتهنئة بالعيد وغيره ؟
هل يُراد بانتهاك الدولة وإنهاكها قتلها وتحويلها إلى صورة للاستهلاك الرمزيّ اليوميّ فحسْب، ليكتمل بذلك المشهد الاستعماري الجديد، بل الأجَدّ و تعميم ذلك على جميع البلدان العربيّة تحت عنوان كبير هو الديموقراطيّة ؟
والثابت أن الإخفاق الاقتصادي للثورات العربية الذي تمثل في انعدام الاستثمارات وهروب رؤوس الأموال وانعدام السياحة بل وتوقف الإنتاج في العديد من المشاريع وما صاحبها من زيادة كبيرة في أعداد الباحثين عن العمل والفقراء، وغيرها من الخسائر التي أدت إلى ارتفاع الأصوات من الغالبية الصامتة بتوقف المظاهرات والتوجه إلى العمل والإنتاج بقوة للمحافظة على معدلات الدخل حتى ولو كانت منخفضة.
ولأن مصلحة المجتمعات تعلو وتسمو على المصالح الفردية فإن ما يثار حول تأثير تلك الأحداث على الأفراد والمجتمعات وبخاصة على المستوي الاقتصادي والاجتماعي يستوجب الوقوف بالفحص والدرس والتمحيص لمثل تلك الأحداث وصولا لتقييم الوضع والوقوف على حقيقته وما آل إليه من تطورات، فعلى سبيل المثال فقد ذكر تقرير لمجموعة استشارات أن الانتفاضات الشعبية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، كلفت المنطقة أكثر من 50 مليار يورو، وفي سياق متصل فقد أكد التقرير الصادر عن مجموعة ''جيوبولوسيتي'' أن الأكثر تضررا من تلك الأحداث كانت مصر وسوريا وليبيا، وحذر التقرير أنه بدون برنامج دعم إقليمي يمكن أن تكون تداعيات تلك الأحداث أكثر ضرراً.
ومؤخرًا كشف الدكتور محمد التويجري الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية في جامعة الدول العربية لبعض الوسائل الاعلامية أن الثورات العربية أفقدت الاقتصاد العربي حتى الان نحو 25 في المائة من نمو الناتج الإجمالي له، وأن عام 2012 سيكون العام الأسوأ على الاقتصاد العربي بالنظر إلى الآثار التي تتركها اضطرابات دول المنطقة من ناحية، وتأثير أزمة ديون أوروبا وأمريكا على العالم من ناحية أخرى. وهذه الخسائر ربما تزايدت منذ نشر هذا التصريح وحتى اليوم، لأن هناك المزيد من التطورات السلبية التي تلحق بالاقتصادات العربية يومًا بعد يوم.
من خلال حديث المسؤول العربي فإن كلامه لم يقتصر على الدول العربية المتضررة التي تشهد هذا الحراك الشعبي يومياً، وإنما أيضًا على الدول التي تسعى بمختلف وسائلها المتاحة بإخماد هذا الحراك خوفاً من أن تصل إليها الرياح العاتية التي تهب بين فترة وأخرى، حيث أكد المسؤول في حديثه قائلا: ''أول الدول المتضررة من هذه الثورات هي الدول التي جاءتها رياح (الربيع العربي) ومن ثم الدول الفقيرة، وتأتي بعدها الدول الخليجية النفطية ''.
ومع أنه لا توجد أرقام دقيقة حول الكلفة الاقتصادية لتلك الانتفاضات إلا أن حساب المكاسب والخسائر للمنطقة، يشير إلى فائدة اقتصادية، ويعني ذلك أن حصيلة ارتفاع أسعار النفط لدى الدول المنتجة أكبر بكثير من خسائر الدول التي شهدت انتفاضات، وتعود الخسائر الاقتصادية لتلك الدول نتيجة تأثر الإنتاجية الاقتصادية سلباً بالانتفاضات الشعبية، ورغم أن الكثير من البيانات والمؤشرات الاقتصادية غير متوفرة، والوضع في غاية التعقيد، إلا أن التكاليف، وقدرة الكلفة على الناتج الداخلي الإجمالي لمصر وليبيا وتونس وسوريا واليمن والبحرين تقدر قيمته 20.56 مليار دولار والكلفة على المالية العامة لتلك الدول وصلت إلى 35.28 مليار دولار، و أن إجمالي الإنفاق العام انخفض بصورة كبيرة متزامناً مع تراجع في الإيرادات بنسب وصلت إلى 77 في المائة باليمن و84 في المائة بليبيا، ولم تأخذ هذه التقديرات في الاعتبار الخسائر البشرية والأضرار التي لحقت بالبنية الأساسية والمشروعات وخسائر الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
هذا عن تأثير الأحداث الحالية على المستوى الاقتصادي وعليه يقاس في مجال المستويات الأمنية والاجتماعية والتي تأثرت تأثراً مباشراً بتلك الأحداث وهو تأثير سلبي ـ للأسف ـ إذ طغى الانفلات الأمني على مظاهر الحياة في البلدان التي شهدت تغييرات ملحوظة ـ سلبية أوإيجابية ـ مهدداً حياة وأملاك الأفراد العاديين بل والممتلكات العامة، ناهيك عن تدني المستوى الاجتماعي والمستوى التربوي وما صاحبه من انتشار للشائعات واعتماد الغالبية العظمى على ما يمليه عليهم الإعلام دون توخي الحذر في استقائها من مصدرها ولم يكن ذلك هو الوجه الأوحد لتدني الحالة الاجتماعية بخاصة إذا ما أضفنا عدم الاعتراف بحق الغير في التعبير عن وجهة نظره واحتكار ذلك الحق وقصره على فئة قليلة وعدم السماح لغيرهم بالإفصاح عن أفكارهم بل قد يتم استهجان تلك الأفكار وتشويهها عمداً من خلال الآلة الإعلامية الموجهة وهو ينعكس على الفكر العام ومستواه لدى كافة الشرائح.
ولمواجهة تلك التحديات الاقتصادية والفكرية والأمنية والاجتماعية يجب توضيح أن معظم تلك الأحداث وإن كانت تظهر بمظهر المطالبات الداخلية اعتماداً على القائمين بها ـ أدواتها ـ إلا أن الواضح أن وراءها أياد خفية خارجية تعبث وتدبر الأمور في الليل البهيم بل وتدعم تلك الأحداث وتمولها لأهداف تقدرها وتعلم جيداً مدى الاستفادة من ورائها، وسواء كانت تلك الأيادي المدبرة داخلية ـ متلقو التمويلات الخارجية منذ سنوات عديدة ـ أم خارجية تمول من الخارج فإن هدفها واضح ومفضوح ولكن قد يعمى ذلك على الكثير من البسطاء الذين لا حول لهم ولا قوة، ولعل من أكبر الأدلة على ذلك من أرض الواقع أن كثيراً منهم شارك في أتون تلك الأحداث ولكن ما إن اتضحت لديهم حقيقة تلك الأحداث وما وراءها ومن ورائها، واكتووا بنيران آثارها حتى انقلبوا يسبون الأحداث ويستنكرون ما أفرزته، مؤكدين أنهم لم يشتركوا فيها لتكون تلك هي النتائج بل كانت أحلامهم وردية لا تتعدى المطالبة بتحقيق مطالبهم المشروعة، ولكنهم أفاقوا منها على واقع أليم ـ من وجهة نظرهم ـ مما حدا بهم للانقلاب على ما كانوا يضحون من أجله بمشاركاتهم.
فإذا وصلنا إلي تلك القناعة السابقة كان لزاماً توعية البسطاء بماهية تلك الأحداث ومدى تأثيراتها على الفرد قبل المجتمع ككل وتوجيه جميع الأفراد نحو العمل وترك كل ما يؤثر سلباً على المجتمع وصولا للهدف الذي من أجله خلق البشر، فليس بالمظاهرات وما قد يصاحبها من إتلاف وتخريب يكون بناء الوطن بل يكون ذلك بالعمل والجدية في ذلك العمل وإن كانت هناك مطالبات فيجب أن تكون عبر قنواتها الطبيعية و الشرعية، ومن ناحية أخرى يجب تهذيب الأفكار وتوجيهها بالطرق المباشرة وغير المباشرة عن طريق الإعلام بكافة وسائله حتى تتضح ثقافة تنويرية جادة وموضوعية هادفة وبناءة، ومن ناحية ثالثة يجب غرس مفهوم التخصص وترك كل متخصص يعمل في مجاله حتى ينتج فيه ويتقنه وذلك منعاً من التداخل في الاختصاصات المعيب والذي قد يورد المهالك، ولذا يجب توعية الأفراد وتوجيههم إلى احترام كل فرد لمجال اختصاصه دون التعرض لاختصاص غيره وصولا للتكامل في شتى مناحي الحياة.
في مؤتمر القمة الإسلامي العاشر الذي انعقد في كوالا لامبور قال الرئيس الماليزي السابق محاضر محمد ما يلي: لا أريد أن أعدّد ما تعرضنا له من إذلال وقهر، ولا أريد إدانة الذين ظلمونا، لأنّ ذلك لا يعدو كونه جهداً تافهاً لن يؤدي إلى تغيير مواقفهم منا، وإذا كنا نريد استعادة كرامتنا وكرامة الإسلام فعلينا نحن أن نقرر، وعلينا نحن أن نفعل. جميعنا مظلومون نعاني من القهر والإذلال، لكننا نحن الحكام لم نجرّب قط أن نعمل متضامنين، فبدل أن نكون أمة واحدة انقسمنا إلى شيع ومذاهب وطرق مختلفة، فصارت الدول الإسلامية ضعيفة تعيش حالة دائمة من الفوضى والغليان، وصار الأوروبيون يتصرفون في الأراضي الإسلامية كما يحلو لهم، ولم يكن مفاجئاً أن يقتطعوا منها مساحة يقيمون عليها ''إسرائيل''!
لقد قال تعالى: ''إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم''، وعدد المسلمين يبلغ اليوم 1.3 مليار نسمة، ولديهم أعظم احتياطي نفط في العالم. إنّ ثرواتنا عظيمة، ونحن نعدّ 50 قطراً من أقطار العالم التي تعدادها 180 قطراً!
إننا نخضع لمشيئة ظالمينا تحت ضغط قاهر، فكيف يجب علينا أن نتصرف؟ إنّ ردّ فعلنا هو الغضب! لكنّ الإنسان الغاضب لا يحسن التفكير، وهكذا تأتي ردود أفعالنا بعيدة عن العقل.
فهل سيبقى المسلمون أبداً مقهورين ومحكومين من قبل الأوروبيين واليهود؟ هل سيبقون دائماً فقراء وضعفاء ومتخلفين؟ هل صحيح أننا لا نستطيع أن نفعل شيئاً؟ هل صحيح أنّ 1.3 مليار مسلم لا يملكون القوة لإنقاذ أنفسهم من الإذلال والقهر الذي ينزله بهم خصم أضعف منهم بكثير؟
من المؤكد أنه قد حان وقت التأمل في أحوالنا، فنحن أقوياء ولا تمكن إبادتنا ببساطة. هناك مصادر قوة عظيمة متاحة لنا، والمطلوب فقط هو الإرادة!
وعقب التأكيد على المعطيات السابقة فلابد من التصدي للأطماع الخارجية والتي أصبحت واضحة للقاصي والداني على أن يكون التصدي بالعقل والمنطق دون المصادمات ولا يحول ذلك دون فضح مخططاتهم وتفنيدها والضرب على أيدي المنتفعين والمستفيدين من تلك التدخلات بعصا القانون وليس بغيره حتى لا نفتح المجال للأخذ والرد فيما هو جلي وواضح، ولا يمكن تطبيق ذلك إلا من خلال المنوط بهم القيام بذلك الدور يدعمهم مثقفو الوطن الغيورون عليه كل في مجال اختصاصه، وذلك من قبيل الحفاظ على مكتسبات الشعوب وعدم التفريط في حق البسطاء الأولى بالرعاية والذين ليس لهم في هذه الدنيا سوى الله وأولي الأمر الذين يسهرون على تلبية احتياجاتهم وفق الأصول القيادية المرعية.
إنّ التخلّف الفكريّ والتعصّب الدينيّ ووقائع التفرقة الممكنة الطائفيّة و القوميّة و العشائريّة والجهويّة وغيرها تُساعد، لا محالة، على تنفيذ مشروع قتل الدولة الوطنيّة العربيّة للانتقال إلى العوْلمة السياسيّة و الثقافيّة بعد العَوْلمة الاقتصاديّة.
فهل العالم يسير بخطى مدروسة ثابتة في اتّجاه الكارثة، كارثة العولمة الكاملة، أم قد تجري الرياح، رياح أُخر، بما لا تشتهي السفن ؟
بالتأكيد ثمة حاجة إلى نظام اقتصادي جديد يمثل بديلاً ثانياً للنظامين الاشتراكي والرأسمالي الليبرالي العولمي، بل يمثل بديلاً للثاني إذ خرج الأول من التداول، وإن كان الدافع لهذا المصير يعود للسبب السياسي والدولة الشمولية، وليس لكونه نظاماً اقتصادياً، مما يستبقي بالضرورة، ما يمكن أن يفاد منه.
فكيف للثورات التي قدمت شعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية على ما عداها من شعارات، ألا تدرك أن النظام الرأسمالي الليبرالي العولمي مناقض لحرية الفقراء والعاطلين عن العمل وكرامتهم، ناهيك عن تناقضه الصارخ مع العدالة الاجتماعية؟
من هنا لابد من إجراء نقد عميق وعلمي للنظام الرأسمالي الإمبريالي العولمي على المستوى العالمي كما على مستوى امتداده في العالم الثالث، ولا سيّما كما تجلى ذلك الامتداد في تونس ومصر وليبيا واليمن... فلابد من التفكّر الجاد بمشروع البديل الثالث للنظام الاقتصادي إذا ما أريد للثورات أن تكون أمينة على شعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، فهنالك التجربة ودروسها، فلابد من التجرؤ على ابتداع الجديد.

