الإكراه الجنسي بين حق الزوج وحرية الزوجة

2007-12-08

تشكل العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة ركناً هاماً وأساسياً في الحياة الزوجية، وتمثل في أغلب الأحيان السبب الرئيسي لنجاح الزواج أو فشله. ورغم أهمية هذه العلاقة وتأثيرها على مستقبل الزواج، كونها هي التي تصوغ الشفرة السرية التي تضمن استمرار التقارب بين طرفيها وعدم نفور أحدهما من الآخر، فإن الاهتمام التشريعي لم يرق إلى مستوى هذه الأهمية التي تتمتع بها العلاقة الجنسية وظل قاصراً عن مواكبة خطورة تأثيرها على الحياة الزوجية ومستقبل الزواج. بل على العكس يمكن القول أن القصور التشريعي ترافق مع وجود بعض الأحكام القانونية التي تخص الجرائم الجنسية عامة والتي تضمنت بعض الشروط التي أساءت من حيث لم يحتسب المشرع إلى حرية الزوجة كطرف في العلاقة مع زوجها وسهلت للزوج انتهاك حرمة جسد زوجته دون خوف أو رادع.

والأدهى من ذلك أن الأمر لم يتوقف عند القصور التشريعي وإنما صدرت بعض الفتاوى الدينية عن مشائخ الأزهر الشريف أجازوا فيها للزوج إكراه زوجه على المعاشرة الجنسية دون رضاها وإرادتها، حيث قالوا: ((للرجل حق معاشرة زوجته في أي وقت يشعر فيه بالرغبة في غير ظروف أعذارها الشرعية مثل الحيض والنفاس والمرض الشديد)). وقد رفض هؤلاء المشائخ إعطاء الزوجة حق مقاضاة زوجها إذا ما عاشرها دون رضاها بحجة أن فتح هذا الباب سيفتح باب النزاع وتدمير العلاقة بين الزوجين وتشجيع النساء على التمرد والكيد لأزواجهن.
وهنا نعرض التساؤل التالي: هل يحق للزوج إكراه زوجه على المعاشرة الجنسية دون رضاها كما ذهب إلى ذلك مشائخ الأزهر؟ وهل عالج القانون حالات الإكراه الجنسي بين الزوجين بنصوص خاصة أم أنه أخضعها لأحكام جرائم الاغتصاب؟ أم أن القانون أباح حالات الإكراه الجنسي ولم يعاقب عليها؟

الإكراه الجنسي كما يدل عليه اسمه هو أن يقدم الزوج بالعنف والتهديد على معاشرة زوجته دون رضاها. وعلينا أن نشير إلى أن الإكراه الجنسي يكاد يكون شائعاً في بعض الأوساط الاجتماعية، إلا أن التكتم الشديد الذي يحاط به سواء من قبل الزوج أو الزوجة يجعل من المستحيل لحالات الإكراه هذه أن تصل إلى أروقة المحاكم. لذلك تكاد تكون نادرة القضايا التي تتعلق بهذه الحالات. ومع ذلك سوف نبين فيما يلي رأي قانون العقوبات السوري حول هذا الموضوع.

الأصل في قانون العقوبات السوري أن الاغتصاب لا يتصور وقوعه على الزوجة من قبل الزوج، فأهم شرط لتوافر جرم الاغتصاب أن يقع الفعل على غير الزوجة، أي إذا وقع الفعل على الزوجة فإنه لا يعتبر اغتصاباً حسب ما ذهب إليه المشرع السوري في المادة /489/ من قانون العقوبات والتي ورد في فقرتها الأولى: (( من أكره غير زوجه بالعنف أو التهديد على الجماع عوقب بالأشغال الشاقة خمسة عشر سنة على الأقل)). وبمفهوم المخالفة لهذا النص نجد أن المشرع يبيح للزوج إكراه زوجه بالعنف والتهديد على الجماع. وبالتالي فإن قانون العقوبات السوري يشرِّع اغتصاب الزوج لزوجه ويعتبر ذلك فعلاً مباحاً وغير معاقب عليه.

وهذا ما ينسجم مع ما ذهبت إليه الفتاوى الدينية الصادرة عن جامع الأزهر.
وفي الواقع فإن المشرع السوري كان أكثر من واضح في التعبير عن موقفه من موضوع اغتصاب الزوج لزوجته، وذهابه إلى أن هذا الاغتصاب غير مجرم وغير معاقب عليه، فقد استثنى المشرع صراحة الزوجة من دائرة جريمة الاغتصاب واعتبر أن أي إكراه أو تهديد يمارس عليها من قبل زوجها هو فعل مشروع ومباح، واشترط المشرع لوقوع جرم الاغتصاب أن يرتكب على غير الزوجة أما إذا ارتكب بحق الزوجة فإنه يغدو غير مشمول بالمادة السابقة.

ونحن نرى في مذهب المشرع السوري، خطأ تشريعياً جسيماً لأنه من جهة يخالف الأساس الإرادي الذي يقوم عليه عقد الزواج والذي يشترط لابرامه التقاء الايجاب والقبول من قبل الرجل والمرأة. ولأنه من جهة ثانية يتضمن تناقضاً مع بعض الأحكام الأخرى في قانون العقوبات.

أولاً ـ مخالفة الأساس الإرادي لعقد الزواج:
من الثابت قانوناً وشرعاً أن الزواج هو عقد بين رجل وإمرأة ينعقد بمجرد التقاء إرادة الطرفين، ولا يعتبر العقد صحيحاً ولا تترتب آثاره القانونية عليه إلا إذا كانت إرادة الطرفين سليمة وغير مشوبة بأي عيب من عيوب الإرادة المنصوص عليها في القانون.
ومن الثابت أيضاً أن عقد الزواج هو من العقود الملزمة للجانبين أي أنه يرتب التزامات على كل طرف من أطرافه.
والقاعدة العامة في العقود الملزمة للجانبين أن على كل طرف من أطراف العقد القيام بالالتزامات المفروضة عليه ويمكن لكل طرف الامتناع عن تنفيذ التزامه إلى أن يقوم الطرف الثاني بتنفيذ ما يرتبه عليه العقد من التزامات. وفي كافة الأحوال يجوز للطرف المتضرر من امتناع الطرف الآخر عن تنفيذ التزامه أن يطلب فسخ العقد. أما إذا أراد الاستمرار في العقد فإن بإمكانه أن يطلب التنفيذ العيني (التنفيذ جبراً) أو التعويض في حال تعذر التنفيذ العيني.

والمتفق عليه بين فقهاء القانون أنه إذا كان موضوع الالتزام هو القيام بعمل ما فلا يمكن اللجوء إلى التنفيذ العيني وبالتالي لا يبقى للمتضرر إلا المطالبة بالتعويض أو فسخ العقد.
إذاً نرى أن المشرع حظر التنفيذ الجبري إذا كان موضوع الالتزام هو القيام بعمل ما، وهذه القاعدة واردة في النظرية العامة للالتزامات (القانون المدني) وهي تشمل بأحكامها جميع العقود من كافة الأنواع بما فيها عقد الزواج. والحكمة من هذه القاعدة أنه لا يمكن إجبار أي شخص على القيام بعمل ما بنفس الجودة التي قد نحصل عليها لو قام بالعمل بملء إرادته، وبالتالي فلا فائدة من تقرير التنفيذ الجبري في هذه الحالة، إضافة إلى أن التنفيذ الجبري يتضمن مساساً بالحرية الشخصية والجسدية للأفراد وهو ما لا يحبذه المشرع لا سيما وأن التنفيذ الجبري في بعض الحالات قد يحمل معاني العبودية والاستعباد.

فعلى سبيل المثال لو اتفق شخص مع فنان على أن يقوم الفنان برسم لوحة فنية كل شهر مقابل مبلغ مالي لمدة عشرين عاماً. فإذا امتنع الفنان عن رسم اللوحات فلا يمكن للطرف الآخر أن يطالب بإلزامه برسم اللوحات، وكل ما يمكنه هو المطالبة بالتعويض أو فسخ العقد. وإذا افترضنا في هذا المثال أن الشخص أجبر الفنان تحت التهديد على رسم بعض اللوحات تنفيذاً للعقد المبرم بينهما، فإن هذا الفعل يشكل جرماً معاقباً عليه بموجب القانون.

وهكذا الأمر بالنسبة للعلاقة الجنسية بين الزوجين، فهذه العلاقة ما هي إلا أحد الالتزامات المترتبة على عقد الزواج كغيرها من الالتزامات الأخرى كالمهر والنفقة والمتابعة وغيرها. وما ينطبق على المهر والنفقة يجب أن ينطبق على العلاقة الجنسية كونها جميعاً آثار مترتبة على عقد واحد فلا يعقل أن نطبق على كل أثر حكماً مختلفاً عن الحكم المطبق على الآثار الأخرى. فهل يجوز للمرأة أن تجبر زوجها بالتهديد والعنف على دفع المهر أو النفقة الزوجية؟ ألن تعاقب المرأة لو فعلت ذلك، مع أنها لم تقم بذلك إلا للمطالبة بحقوقها الزوجية المترتبة على عقد الزواج؟

فلماذا، إذاً، نجيز للزوج إكراه زوجته على المعاشرة الجنسية دون رضاها رغم أن العلاقة الجنسية (وهي التزام بالقيام بعمل) لا يجوز فيها قانوناً التنفيذ الجبري على عكس المهر والنفقة التي يسمح فيها القانون بالتنفيذ الجبري؟؟؟؟؟؟؟
وأكثر من ذلك، فهناك بعض الحالات التي نص فيها القانون على أن من حق المرأة عدم متابعة زوجها فيها، ومن هذه الحالات إذا كان مقدم المهر غير مقبوض وامتنع الزوج عن دفعه، ففي هذه الحالة لا يلزم القانون الزوجة بمتابعة زوجها في السكن إلى أن يقوم الزوج بدفع كامل مقدم المهر. فلنفترض في هذه الحالة أن الزوج قام باغتصاب زوجته فما هو حكم الشرع والقانون؟ بمعنى هل يعتبر اغتصاب الزوجة مباحاً في جميع الحالات وسواء حدث في بيت الزوجية أم خارجه وسواء كان مهر المرأة مدفوعاً أم غير مدفوع؟ نحن نسأل هذه الأسئلة مستعيرين منطق أصحاب الفتوى السابقة لأن قناعتنا هي أن الإكراه مرفوض تحت أي ذريعة ولأي سبب.

ثم ألا يبدو من الغريب أن أصحاب هذه الفتوى يبررونها على أساس أن السماح للزوجة بمقاضاة زوجها ـ في حال اغتصابها ـ سيؤدي إلى تدمير العلاقة بين الزوجين وتشجيع النساء على التمرد والكيد لأزواجهن. ونحن نطرح التساؤل التالي: لماذا تمتنع المرأة عن معاشرة زوجها؟ وإذا تكرر هذا الامتناع، فهل نحن في حاجة إلى القول أن العلاقة الزوجية بينهما مدمرة أو على الأقل تمر بأزمة كبيرة؟ فإما أن يستوعب الزوج هذا الموقف ويتحمل أعباءه إلى حين إصلاح ذات البين، وإما أن يقوم بتطليق زوجته التي لم يعد قادراً على الصبر عن امتناعها عنه. أما أن نعطي الزوج حق إكراه زوجته على القيام بفعل لا تريده ولا تشعر برغبة فيه فإن ذلك في منتهى الاستعباد والإذلال. ومثل هذا الاستعباد والإذلال لا يرضاه المشرع حتى للعاهرة التي تتقاضى أجراً مقابل معاشرة الرجال(وهي للعلم من المهن المرخصة في بعض الدول العربية ومنها سورية)، فالقانون يعاقب من يقوم باغتصاب عاهرة رغم أن مهنتها تتطلب منها الاستسلام لأي عابر سبيل طالما أنه يدفع لها مقابل ذلك. فمن يعقل هذه المقارنة؟

ثانياً ـ تناقض أحكام قانون العقوبات:
صحيح أن المادة /489/ من قانون العقوبات، نصت بشكل غير مباشر على إباحة اغتصاب الزوج لزوجته، وحكمها في هذا الموضوع جاء صريحاً وواضحاً لا لبس فيه، حيث استثنى المشرع الزوجة صراحة من دائرة الاغتصاب فقال: " من أكره غير زوجه" وهذه العبارة لا تحتاج إلى التفسير أو التأويل.

لكننا نلاحظ أن المشرع لم يكن بمثل هذا الوضوح في جرائم أخرى أخف وطأة من الاغتصاب، ومثال ذلك ما ورد في المادة /493/ من قانون العقوبات بأنه: (( من أكره آخر بالعنف أو بالتهديد على تحمل أو إجراء فعل منافي للحشمة عوقب بالأشغال الشاقة مدة لا تنقص عن اثنتي عشر سنة)). حيث نلاحظ أن المشرع لم يستثني الزوجة من نطاق هذه المادة رغم أن الجريمة الواردة فيها هي أقل جسامة من جريمة الاغتصاب. والمادة /520/ حيث ورد فيها: (( كل مجامعة على خلاف الطبيعة يعاقب عليها بالحبس حتى ثلاث سنوات)) مع العلم أن القانون والقضاء يعاقبان على المجامعة خلاف الطبيعة ولو تمت بين زوجين!!!

ومن ناحية ثانية نجد أن المشرع السوري يعاقب الزوج في حال ارتكابه بحق زوجته إحدى الجرائم الواقعة على الأشخاص كالقتل والإيذاء والتسبب بالإيذاء. وهنا يبرز لنا تناقض كبير في القانون يتمثل في إباحة القانون لجرم اغتصاب الزوج لزوجته بالعنف والتهديد مع أنه من جهة أخرى يعاقب الزوج الذي يتسبب بإيذاء زوجته إيذاء جسدياً بسيطاً كالتسبب في سحجات أو كدمات بسبب ضربه لها. فأيهما أشد على الزوجة وأقسى اغتصابها أم ضربها؟ وكيف نجيز للزوجة ملاحقة زوجها جزائياً لمجرد أنه تسبب لها بكدمة بسيطة أو سحجة سطحية ولا نجيز لها ملاحقته في حال أقدم على اغتصابها دون إرادتها؟؟

إننا إذ نضع هذه التناقضات والتساؤلات على بساط البحث، لا نجد ما نختم به هذه المقالة أفضل من الحديث المروي عن نبي الإسلام محمد (ع) عندما قال: ((لا يقعن أحدكم على امرأته كما تقع البهيمة ، وليكن بينهما رسول ، قيل وما الرسول يا رسول الله ؟ قال: القبلة والكلام !)). فإذا كان النبي ينهى عن إتيان الزوجة دون رسول القبلة فهل يرضى أن تغتصب المرأة من قبل زوجها بأساليب وحشية؟

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2024 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2024 Copyright, All Rights Reserved