.الأسس الفلسفية -الجمالية لتقنية المنظور، في فخار بلاد الرافدين.

2009-04-29

لابد من الإشارة إلى مقاربة بين فن الرسم والفخار ضمن إعداد أسس فلسفة جمالية تأخذ تقنية المنظور في وضع صراع بين الرؤية الخام والرؤية الرمزية فالتقنية لها أمر واضح في أن يشير (هيغل)وحديثه عن فن الرسم:((هذا الفن يجمع في إطار اللوحة الواحدة بين المحيط الخارجي الذي هو من اختصاص الفن المعماري وبين ال//api.maakom.link/uploads/maakom/originals/56db28f9-1273-476e-9ef4-e1d236a5863d.jpeg شكل الروحي الذي يميز فن النحت فهو يحقق إذن في إنتاج فني واحد ماهو متفرق بين المعمار والنحت ، وما ذلك إلا لأنه يمتلك القدرة على خلق حيز مكاني يحسن تحريكه حين يعطي للمرء انعكاسا للذاتية))(1)
هناك إعجاب واضح (لهيغل) لفن الرسم ويرجع على الإيحاء بالعلاقات المكانية عن طريق اللون فقط فالرسم لايكتفي فحسب برد الأبعاد المكانية الثلاثية إلى عنصر السطح بل يغمد أيضا إلى إيحاء بدرجات البعد والقرب هذا الإعجاب ربما فيه نوع من الأحادية إذا كانت له تلك الإيحاءات والألوان واللعب بها كيفما يشاء.وهذه الأحادية لفن الرسم قد أعطت لفن الفخار إن يعمل بالبعد الثالث وان كانت الرسوم المضافة بألوانها واكاسيدها اللونية البراقة والزجاج والمواد الكيماوية والتقنية العالية التي عملت بها وأعطت فضل كبير لهذا الفن.فنلاحظ ((أن فن الرسم يهمل البعد الثالث بشكل مقصود حتى يعوض الواقع المكاني الصرف بمبدأ اللون الذي هو أعلى المبادئ وأغناها))(2) .وهنا يظلم فن النحت لأنه لايشمل بالمبادئ الفنية وهو اللون، والألوان من تقنية التكوين والفخار من تقنية التكوين لكنه يتحمل اللون بالاكاسيد مرة ومن ثم يتحمل التكوين بالتقنية مرة أخرى وبالتالي يتحمل الكثير بأشكال مرسومة عليه أو أشكال مضافة سواء النحتية منها أو غيرها تاركا النحت الفخاري يعوض الواقع المكاني الصرف له.لكن هذه النتيجة تحث المشاهد وخصوصا في فن الفخار.
وبالذات فخار بلاد الرافدين القديم ومراحله المتعددة وأدواره أن يعلن استدخال المكان الخارجي وجعله انعكاس فكري في التكوين وينفي المكان الواقعي ليحوله إلى انعكاس تجريدي مرهون بالعمليات الفكرية وبتأثيرات بيئية لذلك فأن فن الرسم في نظر ((هيغل)) كان أكثر روحية من فنون النحت والعمارة ولا ادري لماذا لم يتطرق إلى فنون الفخار والخزف .وبالرغم من انه لم يخوض في تفاصيل تقنية الرسم بل يكتفي بالإعلان عنه بالمنظور الخطي لكن في الفخار تجتمع العديد من العناصر الحسية الأساسية التي يلجأ إليها الفخّار لكي يعبر عن البعد المكاني ومن ثم يوحي ضمنيا بوجود العلاقة الوطيدة بين الرسم والنحت المتمثل بالإضافات على سطوح الأواني الفخارية وهذا مايهمنا بالدرجة الأساس والوقوف على بعض الجوانب التي لها علاقة بميلاد تقنية المنظور.

ولكن أريد العودة إلى فخار بلاد الرافدين مرة أخرى فأننا سنلمح هو أن الرسام في تلك الفترة يستفاد من فن الرسم والمقصود بالرسم هو الرسوم الجدارية .لان الرسم الاعتيادي لم يصلنا في تلك الفترة و جانب الاستفادة كانت من الأدوات المرسومة والأشكال التي كانت بدورها تحكم السيطرة على الصعوبات الجمة التي تحدثها قواعد المنظور وبالرغم من الاستفادة منها في فن الفخار فكانت حقيقة متباينة من شكل إلى آخر ومن فخارية إلى أخرى .لكن الرسم ألجداري له أسلوب خاص كان رسام بلاد الرافدين يطبق القواعد الهندسية ويجسد فكرة العمق تجسيدا تشكيليا مثلما يفعل فنان الفخار.

((وبهذا نرى أن وضع مكان المشاهد الذي يبصر الجسم الممدد من زاوية نظر قريبة نسبيا ومن موقع إنسان متوسط القامة قد يكون انتصار لان تعتبر فن الرسم فن متكامل ومستقل بذاته مادام بمقدوره تمثيل عمق وحجم ومنظور الأجسام المرسومة دون حاجة إلى الاستعانة بالمنظور المعماري))(1)
الفن الفخاري والفخاريات عدة وابسط الأمثلة لفخار العبيد الجنوبي في بلاد وادي الرافدين كانت هناك علاقة بين الفضاء التشكيلي والفضاء البنائي طرق تقنية تبنى بها الفخارية ومن ثم تضاف عليها رسومات أو أشكال نحتية ، ا هناك علاقة واضحة في الاستعانة بالمنظور البنائي في الفخار هناك أولوية أن تبحث في عوامل قيام المنظور مادام هناك رسم يضاف أو نحت مضاف وأسباب تشييد القواعد لابد أن تكون مكملة الواحدة الأخرى لترتبط بالتمثل المكاني وله تأثير بالغ على فن الرسم ومن ثم النحت وحتى النحت الفخاري.

الواقع أن فن الفخار إذا كانت عليه رسوم مضافة أو أشكال نحتية مضافة بالتأكيد يتميز بقوة وعمق كونه يحمل مهارات معمارية بنائية ويؤسس تصور جمالي للمكان الذي يؤثث عليه .وقد تم تشكيل أفكار خاصة عندما توصل الفخار الفنان الرافديني إلى إنهاء التصور المكاني ويملأ الفراغ ليعطي للمكان حرية في التعبير ((المكان لم يعد الحيز المغلق ،بل هو كم متجانس يوجد في جميع الاتجاهات))(1).
في هذا المجال نرى اغلب الدارسين لهم قضية واحدة للاهتمام بدراسة المنظور في مجال الرسم لكن هناك تحول جذري لتصور المكان البنائي لان فن الفخار وفنان الرافدين يضع تصميم لم يكن ذات نسق مغلق من المستويات والسطوح والتي تنتهي إلى تحديد صورة داخلية.ونرجع بذلك إلى فخار سامراء العديد الألوان والتكوينات كانت هناك بعض الخطوط والتي تتقاطع مع مستويات تمتد وتستمر بحيث تكون موقع هندسي تلتقي عنده كل الخطوط وهذا نوع كبير من أن يحيل هذا الفن (( مكان التقسيمات الوسطية تقسيما جديدا للمكان ضمن نسق يعيد إنتاج نموذج متخيل لكنه يفسح المجال لكل جهات المكان)) (2).
وإذا كان بالإمكان الاختصار بأن يتمثل حسب الأجسام وعلاقتها مع الخطوط في الوسط أو الجانبية وفي آن واحد يتم بالتحديد وفق ماتمليه علينا الهندسة الرياضية التي عملت من الفخار بأن الاقتصار على الأجسام لوحدها غير كاف فربما كانت الخطوط والأشكال هو العنصر المحسوس ،وألوان الاكاسيد هي التي وحدها تعطي استجابة لإدخال الضوء ومع الاثنين يتم تحقيق وحدة الانسجام .
في فن الفخار يتم تحديد التقنية في التكوين لكن ستظل متباينة في أكثر من جهة مع أن الوظيفة لهذا الفن تقوم على مبدأ الاستهلاك أو الاستخدام لكن تحقيق الجمالية عندما يقوم على عنصر الخط واللون ويكمن في تحديده وإضافة الاكاسيد اللونية يتمثل في مساحة وعلى مسافة محددة لأنه لايسمح بالزوائد مع مراعاة (( موضع محدد من الشعاع وكل الألوان مع الأشكال المرسومة والمضافة على سطوح الفخاريات تبدو للرائي وكأنه مجسم وشبيه بالموضوعات المرئية))(1)

لاشك أن القارئ قد يفطن الآن لوحده بأن المنظور الذي يتعلق بها الأمر يخالف النظر الطبيعي ،فهو منظور رمزي أكثر من انه منظور تلقائي وهذا الموضوع يدافع عنه ((بانوفسكي ) في كتابة ((المنظورية كصورة رمزية )) هذه الدراسة الكلاسيكية - سيكون لها موقع كبير على فنان الرسم - وجاءت استمرار لفلسفة للصورة الرمزية والتي وضع ((ارنست كاسيرر) مبادئها ولايمكن بالتالي فصلها بصيغة عامة عن خط ((كانط)) وبهذا أن بانوفسكي قد استغل جيدا مدلول الوظيفة الرمزية لتصميمه على المنظور في فن الرسم. من هنا فأن الإطار الفلسفي العام التي طرحت به مشكلة المنظور نرى أن فن الفخار هو ألآخر يعتمد على نظرة جديدة أضحى معها الهاجس الرئيسي والبداية واضحة أشكال فخارية مضافة على رسومات وفخاريات مضافة عليها أشكال نحتية .بالآمكان جيدا استخراج ((الوظائف الرمزية )) وهذه الملاحظة كافية لوحدها أن تعطينا انطباع في أن نصل إلى ((كانط الجديد)) هذا التصور قد انطلق منه (كاسيرر) والذي يقوم على تصميم فكرة (كانط) والتي تقول بأسبقية صور المعرفة على الموضوعات التي ينطبق عليها. وهنا نتساءل الم يكن الفخار الرافديني القديم وبأشكاله المختلفة والتي تعمل ضمن دائرة المعتقد الديني هي التي تنطلق منها فكرة كانط كون كل فخار المعبد مقدس ولاينحصر عند هذا فقط وإنما تماثيله الكبرى هي استخراج صور رمزية.فأضافه السوائل المقدسة عملت هي الأخرى في ميادين الأسطورة .
تشمل ذلك دخلت في دائرة ((نقد المعرفة)) ومنها ((الانثروبولوجيا الثقافية)) وشملت ميادين اللغة والعلم على حد سواء .
هذا من جانب والجانب آلاخر الفخار القديم في بلاد وادي الرافدين كانت به أفكار تلقائية وخصوصا رسوم الأشكال الأزهار والنباتات والسنابل ووجود الحيوانات الأسماك والعقارب إنها أفكار تعكس واقع خارجي بتأثيرات بيئية.وكانت فعلا تعتمد إلى بناء ماتتوفر عليها من اطر رمزية فزيادة الإنجاب والتناسل والخوف من الشمس وجمال الزهور كلها عملت في ميدان اللغة والفن والأسطورة يجسد كل واحد منها. هذا النسق المستقل يرجع قيمته في نظر ((كاسيرر)) إلى ((يجيز التصور النسقي المتكامل لجميع هذه العوالم التعبيرية بحيث يكون بمقدورنا استخراج خصائصها النوعية والمشتركة))(1).

وهذه الخطوات هي بالتأكيد خطوات كبيرة نحو امتلاك فن الفخار نحو الوظيفة الرمزية وليس غريبا بعد هذا في أن يلحق (( بانوفسكي)) تقنية المنظور بهذه الوظيفة الرمزية ولكن كان إلحاقها ناقص لأنه لم يشمل الفنون التشكيلية كلها بل اعتبر الإبداع الفني صفة عامة ومفعولة من مفعولات الصور الرمزية وهو نفسه يقول في هذا الصدد(( انه لمن الواضح جدا في ميدان الحدس الفني أن كل حيازة للصورة الجمالية داخل ماهو حسي ، لن تكون ممكنة إلا لاننا ننتج في الخيال العناصر الأساسية للصورة وعليه فكل فهم للأشكال المكانية يرتبط إذن في النهاية بهذه الفعالية الداخلية التي تنتج هذه العناصر وبشرعية الإنتاج))(2) هذا التصور يجعل من المنظور مفهوما رمزيا لانجده عند (بانوفسكي) لوحده فهناك (هوبيرداميش )( الذي يعتبر بأن المنظور في فن الرسم لم يكن دور له في مضمار المتخيل لوحده ،لأنها لم تقم فقط بخلق صورة بل كان لها أيضا دور وظيفة رمزية خاصة ))(3) من هذا التصور أحيل أقوالهم في البحث إلى فنون
الفخار. والقديم هو أولى بذك كونه البداية ويسمح للباحث بالتعرض لكثرة وجوده لا وسبل طرائق تناوله تبقى مفتوحة فهي قابلة لان تكون موضوع للتخيل ولتاريخ الأفكار ولمبادئ الفلسفة .
فقد كان (( ميرولوبونتي)): قضية المنظور لم تكن حكرا على فن الرسم لوحده بل هي قضية كل الفنون وشغلت الفلسفة بنفس المقدار التي شغلت تاريخ الأفكار))(1) هناك مقاربة بالإمكان أن يؤديها الباحث هو ان نجد هناك تبرير واهتمام متزايد بتجربة الإدراك والرؤية في فن الرسم لكن فن الفخار هو أساس لان يعطي تلك المبادئ نوع من الحرية في التنفيذ لان من خلاله نستطيع فهم عوالم الرؤية والقدرة الواضحة بخلق عوالم تشكيلية قائمة على جمالية اكاسيد الألوان أولا ومن ثم الأحجام والأشكال فقد كان هذا الفن مصدر إقناع يعبر عن إدراك بنائي صنعته الأيدي.(( وبإمكاننا ان نعود من هذا الإدراك الذي صنعته الثقافة إلى الإدراك الخام))(2) من هذا يسمح لنا القول وقد نجده في ثنايا الفلسفة.إن التأملات العديدة في فخار بلاد الرافدين كانت تتوخى بالدرجة الأساس فهم آليات الإدراك الذي .

 

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2024 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2024 Copyright, All Rights Reserved