من الشرفة !

2020-11-13

أول الكلام :

ما أصدق وما أروع وما أبلغ أبا تمام حين قال بيتين.. وهكذا بقيا خالدين على مر الدهور، والخلود هو للأفكار التي لا تغُرقها ولا تجرفها سيول الزمن ولا تقلبات أحواله.. هكذا تخلد المتنبي وأصبح له الدهر منشداً، وهكذا تخلد شكسبير وغوتيه وماركس بل وسقراط وأفلاطون وأرسطو ... وابن رشد وابن خلدون..

أما بيتا أبي تمام فهما :

نقّل فؤادَك حيث شئتَ من الهوى – ما الحبُ إلا للحبيبِ الأولِ

كم منزلٍ في الأرض يألفُهُ الفتى – وحنينُه أبدًاً لأولِ منزلِ

البيتان ينطويان على مقابلة بلاغية رائعة، وعلى فكرتين متلازمتين في المظهر وهما فكرة واحدة راسخة في الجوهر قوامها الحنين.. ولأن للقلوب كَرّها وفَرّها وللحب تقلباته.. فأرى  البيت الثاني أكثر رسوخا، فالمنزل يبقى هو هو حتى لو قدُم أو زال من الوجود فتبقى صورته شاخصة ونابضة في الذاكرة.. وكلامي هذا فيه دعوة لأن يتذكر المرء منزله الأول إن كان خيمة أو كوخا أو من لِبِن  أو من طابوق أو كان قصراً منيفاُ وهذا أضعف الإيمان !

***

انتقلت من المجمع الجديد الشامخ " فيوز موبيوز" المتألف من أربعة مبان عالية هي أبراج الف وباء وجيم ودال.. كان نصيبي أن استأجرت شقة جديدة مؤثثة لم يسكنها أحد قبلي وكل أثاثها "في الباكيت" وفق التعبير العراقي بقيت معي وئام شهراً ثم عادت لمشاغلها والتزاماتها في السويد.. بقيت نحو سنتين أزورها كل ستة أشهر أو ثلاث مرات في العام كما تزورني إن وسعها الحال والمجال.. كان المجمع يحتوي حدائق غناء ومسبح وقاعة رياضة وبيليارد وانترنت عام مجاني لمرتادي مشاغل الرياضة.. ومخزن لبيع المواد الغذائية.. مالكة الشقة سيدة صينية "بانانا" وهذا اسمها.. وكنت مسرورا أمارس الرياضة والسباحة كل يوم.. لكن الخدمات سيئة بسبب أن المالكين تتوفر لهم خدماتهم في شققهم من غسالة الملابس والصحون.. وتبقى المكائن العمومية مزدحمة للمؤجِّرين وتشتغل وتعطل ولا تتم صيانتها في الحال ! ثم أن إيجارها غال لرجل متقاعد مثلي.. وهكذا قررت الإنتقال !

انتقلت إلى عمارة "سونيسا"  التي تبعد عن المجمع  بكيلومتر واحد في طريق طويل هادىء فيه بعض المطاعم والمخازن وكنت أختصره بأن  أدخل المستشفى قاطعا حديقتها في الرواح والمجيء، أو أركب العربات المحورة عن دراجة هوائية تتسع لستة أشخاص يجلسون متقابلين.. وهكذا تعرفت بسرعة على المنطقة وسكانها في الحي الراقي  وكنت أسلم على الباعة .. وفي أسفل العمارة مقهى صغير أنيق تديره شابة تتكلم الإنكليزية..

أفضل ما في شقتي الواسعة أنها تتبوء ركنا واسعا وتطل على شارعين بنوافذ زجاجية مظللة ومعتمة.. وشرفتها واسعة أتناول إفطاري بها على أصوات الطيور.. وأطبخ طعامي فيها ! أتمشى في الشارع فألتقي سكان الحي الراقي خاصة الذين يروّحون عن كلابهم ، أحدهم لديه كلب سيبيري "هاسكي" وهو من أجمل الكلاب وأرشقها وأقواها بنية فأقف مع صاحبه السبعيني وأقول له : أن كلبك يوصف بأنه عاشق الحرية فلطالما يهرب وإن هرب لا يعود.. فيخبرني : حاول مرات لكن الذي يمنعه سياج عال، وأضعه  في الليل في بيت محكم الغلق.. وأرى سيدة مهذاراً ترعى ثلاثة كلاب، أحدهم عندما يراني يجن جنونه .. حتى قالت أنه لطيف ولكنه لا يألف منظر الأجانب خاصة الملتحون منهم !.. ثم أصبح الكلب هذا صديقي الأثير وبدت صاحبته سعيدة للغاية..

أجلس في الشرفة كل يوم، أرى المستشفى المهيب وحديقته، ومطعمه وسوقه وموقف السيارات الذي من خلاله تعرفت على الأطباء، ارى حديقته ومطعمها والسوق.. في الركن المناظر لي تماما أرى بيتا جميلا من طابقين ذا حديقة واسعة تحفُّه الأشجار وفي داخلها ألوان من الزهور الملونة وشجرة رمان مزهرة.. المنزل هذا قلما يدخله أحد إنما يأتيه رجل على تكتك كل صباح يدق الجرس ويترك له مواد غذائية مع صندوق.. وفي الحديقة تخرج من بناية المنزل عربة تجلس داخلها سيدة عجوز تبدو في غيبوبة، تدفعها شابة بملابس بيضاء وتحنو عليها حنو المرضعات على الفطيم.. تعرضها لشمس الصباح ثم تنقلها إلى الظل والشابة الممرضة تقرأ في تلفونها ودائمة المتابعة لمخدومتها الغارقة في سبات عميق.. ثم ترجعها إلى المنزل.. في شرفة المنزل يجلس رجل يدخن لدقائق ثم يتلاشى في المنزل أحسبه طباخا ويتولى تدبير المنزل بقيت لسنتين ونصف السنة والمشهد يتكرر كل يوم !

مقابلي تماماً أرى أربعة منازل صغيرة متماثلة من طابقين تشغلها شركات ومصنع تعليب مواد غذائية.. إلى اليسار قصر منيف فيه مسبح يشغله رجل مع كلبه الهاسكي.. وفيه مسبح لا ترى في هذا القصر أي نأمة او حركة سوى مرتين، رأيت صبيا مراهقاً يخاف أن يدخل الماء ليسبح فتدلي السيدة ساقيها في الماء  فيتجرأ ويدخل الماء ثم يملأ المسبح صراخا لا تميزه إن كان بسبب الإبتهاج أو الخوف ! هو فتى رأيته يتمشى مع السيدة التي ترعاه ويبدو عليه قصور ذهني واضح.. بجانب هذا البيت تعيش السيدة ذات الكلاب الثلاثة ثم منزل صاحب العمارة !

في الجانب الآخر من الشارع تقابلني بيوت هي في حقيقتها قصور لأغنياء المسلمين في كل حديقة ركن مخصص للطيور وكان صوت طيور الأمزون العملاقة مسموعا ومزعجا.. حتى إذا جنّ الليل تغطى الأقفاص فتصمت الطيور ولا تزاح الستائر إلّا في الصباح فتبدأ سمفونية الطيور.. في الركن الآخر غابة موز ثمارها بين خضراء وصفراء ذهبية يانعة في ركن منها خصص للنفايات تأتي عجوز مسلمة بدينة تبحث عن عبوات البلاستيك والكارتون لإعادة التدويرة ألتقيها أحيانا فأضع شيئا في يديها فتقول بلكنة  مفهومة بسبب صعوبة إخراج الخاء الذي تحوله إلى هاء مع تخفيف اللام : جزاكم الله هيراً..

انعقدت صداقتي مع السيد والسيدة "بيني" وهما يملكان عربة أنيقة لشي الدجاج لحماً وكباداً مع سلطة أنيقة وصاصات.. ويلبسان ملابس لشركة تحمل علامة "حلال" رغم أنهما غير مسلمين.. كنت أشتري منهما وآكل عندهما، وبجنبهما رجل بعربة أنيقة مرخصة لبيع المشروبات الوطنية المصنوعة بمصانع خاصة تقطر المشروب من الأرز، يبيع جرعات في كؤوس صغيرة رخيصة الثمن.. جربتها مرة برشفة ولم أكمل .. لقوتها وطعمها اللاذع !

أحسن ما في العمارة الآنسة جو، هي خدوم وجميلة لكنها تهمل منظرها، تلبس بنطالا من الجنس ولا تصفف شعرها ولا تضع مساحيق.. كانت على خلق قويم ..أسوأ ما في العمارة هو صاحب العمارة، رجل صيني تخطى الثمانين، قدّم خدمات ممتازة لي حين حللت وأبدل السخان وبعض الأثاث وجهاز التبريد ومع ذلك لا أطيقه لأنه عبس الوجه ولا يسلم ولكنه يرد السلام بهزة رأس ! وكأنك تتلقى شتيمة منه.. أخبرت الآنسه جو قلت لها سأترك البناية بسبب صاحبها.. فالتمست له العذر بأنه يحبك كثيرا لكنه رجل كبير..

وإذ كنت يوما جالسا في المكتب فجاء الرجل ورآني أسلّم  بدل الإيجار للآنسة فدق الباب خفيفا مستأذنا الدخول فأذنت له السكرتيرة ولم يسلم.. وهكذا طلّقت عمارة سونيسا طلاقاً بائناً لارجعة فيه !!

13 ت2/نوفمبر 2020

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
© 2020 جميع حقوق الطبع محفوظة © 2020 Copyright, All Rights Reserved