قصر رغدان/رواية/القسم الثاني

2013-06-07

 انتشر//api.maakom.link/uploads/maakom/originals/2e0279d7-dd49-445d-afd0-ee9e95fa4ff7.jpeg خبر تخلي الملك عن السلطة في قصر رغدان انتشار النار في الهشيم، فكان رجال القصر بين مصدق ومكذب، وبدوا كلهم في وضع الغائب عن الصواب. لم يكن رئيس الديوان كرئيس التشريفات كوزير البلاط ككل الباقين من مستشارين وسكرتيرين وسكرتيرات حتى العاملين على البدالة والسائقين والحجّاب، لم يكونوا كلهم هم أنفسهم، كانوا شيئًا آخر أقرب إلى النعال المثقوبة، فالسلطة لم يعودوا أحذيتها اللامعة، وهم، رأوا صورهم في المرايا عرايا كما ولدتهم أمهاتهم، فحاولوا إخفاء عوراتهم دون أن ينجحوا، وفي الواقع، كانت عورات الكبار منهم أنهم كبار، وعورات الصغار منهم أنهم صغار، والكبير كالصغير كان يجد نفسه كبيرًا في ظل الملك، فأين الملك؟ وأين ظله؟ فقدوا كل جاه، لكنهم لم يفقدوا كل أمل، فراح كل منهم يتبارى لتعظيم من أوجدوه بعد أن أوجدهم، فلربما عاد عن رأيه. لكن جلالته لم يكن يريد أن يكون ملكًا لهم قبل أن يكون ملكًا له، وهو لهذا قرر التخلي عن السلطة، والبدء من الصفر، كأي فرد لم يولد ملكًا، أن يبدأ من الصفر، أن يتعلم كيف يكون ملكًا، وأن يُخضع نفسه لاختبارات الحياة، ربما ينجح، وربما لا ينجح، وإذا لم ينجح، جرب شيئًا آخر. في لندن، لم يكن يفكر في الملك الذي صاره، وكان يفكر في الطبيب الذي لم يصره، لكن أساتذته في المدرسة العسكرية قرروا كل شيء عنه. في واشنطن، كان الأمر مختلفًا، لم يكن مختلفًا كثيرًا، لكنه كان مختلفًا، ليس أساتذته في المدرسة العسكرية هم الذين قرروا عنه كل شيء، وإنما ظرف من الظروف التي يخشاها الملوك. تعرّف هناك على من ستغدو الملكة، وهو لهذا صار ملكًا. واليوم للتخلي عن كل شيء، كان عليه أن يتخلى أول ما يتخلى عن الملكة، وبعد ذلك عمن يوهمونه أنه ملكٌ كلَّ يوم، عن الحاشية.
أول شيء فعله بخصوص الحاشية كان إقالة رئيس ديوانه ورميه في السجن بتهمة الفساد، عند ذلك فهم كل رجال القصر أن مسألة التخلي مسألة جادة، وأنهم مهما عظّموا الملك لن يُشعروا الملك بأنه ملك، فأهملوا الملك، وتقاعسوا عن خدمته، والملك وجدها فرصة سانحة ليثبت لهم أنه ملك دونهم، فأقال هذا أو ذاك، وسجن هذا أو ذاك، رفع الصغير، وجعل منه كبيرًا، وأنزل الكبير، وجعل منه صغيرًا، كان على الملك في ساعات حكمه الأخيرة أن يثبت جدارته، ولكن فعله جاء متأخرًا، وأثره ظل محدودًا. لم يبدل ذلك شيئًا من الوضع الميئوس للبلد، ولم يحل دون غضب الناس من الفاسدين، وكل رؤوس الدولة منهم.
دخل فرانك لانج على الملك في مكتبه، فوجده في قميص تاهيتي الرسم نصف كم، وهو يركن رأسه في كفه، وعلى وجهه تبدو أمارات الحيرة.
- مولاي، لم كل هذه الحيرة وكل شيء تم كما تريد، بدأ رجل التحري الخاص الكلام. جلالة الملكة زوجتكم بعيدة إلى أمد أحسبه لن يكون طويلاً، ولكنه كاف لتنفيذ ما عزمتم عليه دون التأثير فيكم، والحاشية من حولكم لم تعد تزين لكم ما يرغمكم على البقاء في الحكم.
- وأنا في لندن قرب أمي لا أشعر بكوني ملكًا بل ابنًا، همهم ملك الأردن.
- هل يخاف جلالتكم من الحرية إلى هذه الدرجة؟ طرح فرانك لانج سؤاله بشكل مباشر.
- هذا لأنني وأنا قرب أمي لست حرًا؟ طرح الملك سؤاله كجواب للسؤال.
- الابن قرب أمه يكتفي بكونه ابنًا.
- حقًا ما تقول، فهل يكون الملك أكثر حرية؟
- هذا يتوقف.
- على ماذا؟
- صائد الطير يقول عن هذا حريتي.
- لم أكن أبدًا صائدًا لشعبي.
- فلنفترض حقًا ما تقول، ولكن غيرك يصطاد باسمك.
- لهذا السبب أريد التخلي عن السلطة.
- هل يمكن إرجاء ذلك قليلاً، الوقت الذي تطلق فيه أبولين دوفيل سراح جلالة الملكة؟
- أنت لا تثق بالشعب ثقتي به.
- الواقع، يا مولاي، أنا لا أثق بحكام الشعب الجدد. أمريكا، نعم، تثق بهم، وتعمل على مجيئهم، لأن السياسة قحبة، فليسمح لي جلالتكم، وهم تحت ثوب الثورة يسعون لجر البلاد إلى عصور الانحطاط وجدع النساء في سبيل الإبقاء على مصالحهم كما كانت دومًا مصالحهم، وإلى الأبد.
- لكني أنا أثق بالشعب ولا أثق بحكامه القدامى كالجدد. وها أنا استبق الجميع، وأصنع للشعب ثورته.
- ليس هكذا تصنع الثورات، يا مولاي.
- إذن تصنع كيف؟
- آه، لو كنت أعرف!
- لنبدأ كيفما اتفق، وبعد ذلك سنرى.
- وإذا حصل لك شيء.
- وأنا خارج الحكم لن يحصل لي شيء.
- لكني سأحمي جلالتكم.
- لأنك أخلص المقربين مني، فرانك لانج.
- لا، ليس لهذا.
- إذن لماذا؟
- لأني، على عكس كل الأبناء، وأنا في باريس قرب أمي لا اشعر بكوني ابنًا بل ملكًا، وأنت تدفع لي جيدًا.
زينت ثغر الملك ابتسامة واسعة، وبعد ذلك عبس، وراح يهمهم:
- أنا أتحرق شوقًا إلى رؤية صاحبة الجلالة زوجتي.

* * *

خرج الملك عبدول من مكتبه، وهو يدفع فرانك لانج أمامه، ليتناول طعام الغداء معه في البلد، كما كانت رغبة جلالته، فوجد حارسيه الشركسيين اللذين يرتديان كممثلين هزليين ثيابهما الفلكلورية، وهما يرتكزان بقدمهما على الجدار، ويدخنان سيجارة، دون أن يباليا بملك أو بغير ملك. دفع الملك الباب على سكرتيرته لتطلب له تاكسي بعد أن رفض الذهاب بسيارته المرسيدس المصفحة، فوجدها تضاجع وقوفًا مع أحد الأمراء. نادى على مستشاره، فلم يلب مستشاره النداء. كان يغط في نوم عميق، وهو يضع وجهه على أكداس مكدسة من الملفات. حار الملك في أمره، ففتح فرانك لانج تلفونه المحمول، وطلب للملك تاكسي.
- هل رأيت، فرانك؟ قال الملك، عندما تفلت السلطة من بين يديك كيف يعاملك مخدوموك.
- ولكن جلالتك لم يتخل عن السلطة بعد، رد رجل التحري الخاص.
- كما لو كنت تخليت، وهذه هي النتيجة.
- وإذا كان الأمر مجرد إشاعة؟
- ولكن الأمر ليس مجرد إشاعة.
- فلنفترض أن الأمر مجرد إشاعة.
- بإشاعة أم بغير إشاعة، الملك دون سلطة ليس ملكًا.
- تريد القول السلطة أولاً؟
- وظلال الملوك والرؤساء وعظام الكون الذين حطوا الرحال في هذا القصر دون سلطة ليست ظلالاً.
- تزول السلطة، فيزول كل شيء.
- ومع ذلك، السلطة لا تكلف شيئًا، بضعة أوامر.
- وعددًا هائلاً من المهرجين.
ضحك الملك، وقال، وهو يترك قصر رغدان، ويقف على عتبته بانتظار التاكسي:
- كان أبي يعرف كل هذا ويتجاهله.
- لأنه كان يريد أن يموت ملكًا.
- على من؟ على الأردنيين أم على المهرجين؟
- الأردنيون شعب من أروع شعوب العالم.
- لهذا هم يحتاجون إلى ملك بالفعل، ملك غيري.
- مولاي...
- ادعني عبدول كما أدعوك فرانك.
- مولاي، هل سيجدون غيرك؟ سؤال صغير أطرحه عليك.
- سنرى إذا كانوا سيجدون غيري.
- مولاي...
- قلت لك ادعني عبدول.
- مولاي...
- لماذا تصر على دعوتي مولاي؟ هل تريدني أن أعطيك أمرًا كيلا تدعوني مولاي؟
- مولاي، عندما يتخلى الملك عن السلطة يصير ملكًا بالفعل في عيون الناس.
- سنرى إذا كنت مؤهلاً لذلك.
وصل التاكسي، فارتبك السائق عند رؤية الملك. نزل ليقبل يده، فرفض صاحب الجلالة. تركه ينحني لتمثال خيالي، بينما ركب، وركب فرانك لانج إلى جانبه، وانتظر كلاهما أن يتوقف السائق عن الانحناء، ويقودهم إلى المطعم الشعبي "هاشم"، إلى أن كان ذلك. أخذ السائق يهبط بسيارته الطريق المنحدرة الدائرية من باب القصر الداخلي إلى بابه الخارجي، وفرانك لانج يفكر: دون الملك أي معنى لقصر رغدان؟ ودون قصر رغدان أي قيمة لعمان؟ ودون عمان أي تاريخ للأردن؟ لم يخرج الحرس لتحية سيدهم، رأوه، وجاءت عيونهم في عينيه، ولم يتحركوا من أماكنهم. تحرروا مما هو مفروض عليهم، فلم يكن ذلك واجبًا. كان ذلك أشبه بكل شيء في مملكة هي شبه مملكة، مملكة كاذبة. والملك عبدول لم يعد يطيق هذا، أن يكون ملكًا على مملكة كاذبة، أن يكون ملكًا كاذبًا. ومع ذلك، كان مع عبور التاكسي ينظر إلى وجوه أفراد رعيته، ويجد أنها كلها حقيقية. كان الناس حقيقيين، ألا يكونوا أنفسهم شيء آخر، لكنهم كانوا حقيقيين، ألا يكونوا قدر أنفسهم شيء آخر، لكنهم كانوا حقيقيين، ألا يكونوا كما يتمنون لأنفسهم شيء آخر، لكنهم كانوا حقيقيين.
- في مطعم هاشم كل الأطباق لذيذة، همهم الملك.
- هل ذقتها كلها؟ سأل فرانك لانج.
- لا، لم أذق أيًا منها، أجاب الملك.
- ستُرضي ذائقتك الطبخية بعد قليل، قال فرانك لانج مبتسمًا. منذ متى وأنت تحلم بذلك؟
- منذ اليوم الذي صرت فيه ملكًا.
- أنت على الأقل تعلمت شيئًا آخر.
- ما هو؟
- أن تحب ما يكرهه الناس.
- لهذا لم أكن شعبيًا.
- وكذلك...
- ماذا؟
- الحرمان.
- شظف العيش؟
- لا تتلفظ بحماقات، يا صاحب الجلالة.
أنزلهما سائق التاكسي عند فوهة الحوش القابع في نهايته مطعم هاشم، ورفض أن يأخذ أجرته. كان يردد: إنه لشرف عظيم لي، يا مولاي! أنه لشرف عظيم لي، يا مولاي! وعاد يريد تقبيل يد جلالته، وعاد ينحني للتمثال الخيالي.

* * *

خرج صاحب مطعم هاشم لاستقبال الملك أول ما رآه قادمًا بصحبة فرانك لانج، وبالغ في انحنائه، خصه بأحسن طاولة، وجاءه من وراء الآلة الحاسبة بالكرسي المنجد الذي له: ويا سيدنا، ويا سيدنا، ويا سيدنا...
- أحضر لنا من كله، طلب الملك عبدول، حمص وحمص حب وفول وفول بالطحينة وفلافل وكل ما معها من بصل ونعنع وزيتون ومخلل وخبز التنور خاصة.
- وكل ما معها، أعاد صاحب المطعم كالإنسان الآلي.
- وكل ما معها، قال الملك عبدول من جديد. أليس كذلك، فرانك؟
- وكل ما معها، قال فرانك لانج.
- وماذا ستشرب، يا سيدنا؟ سأل صاحب المطعم.
- سأشرب من الماء الذي يشرب منه الناس، أجاب صاحب الجلالة، وهو يرفع إبريقًا من الفخار موضوعًا على الطاولة، ويزربع من فوهته.
- تحت أمرك، يا سيدنا، همهم صاحب المطعم قبل أن يذهب.
تناول رجل التحري الخاص إبريق الفخار من يد الملك، وزربع من فوهته، ثم أعاده إلى مكانه.
- ما رأيك فرانك؟ سأل الملك، وهو يتنهد، وينظر من حوله سعيدًا.
- كل شيء يتوقف على ما سنأكل، أجاب فرانك لانج.
- إنه أحسن مطعم شعبي في البلد، قال الملك بشيء من الزهو.
- أنتم على الأقل تجدون هذا أما نحن... همهم فرانك لانج.
- الهمبرغر.
- والفريت.
- لكنني آكل من الهمبرغر ثلاثة ساندويتشات أو أربعة ولا أشبع.
- ليس هذا لأنك صاحب جلالة، يا صاحب الجلالة. كلنا يفعل هذا.
- أعرف أنكم لستم كلكم ملوكًا، ومع ذلك.
- نحن ديمقراطيون في كل شيء حتى في أكل الهمبرغر، رمى رجل التحري الخاص، وهو يضحك والملك معه. أنا أمزح، يا مولاي.
- أعرف أنك تمزح، وإلا ما شاركتك الضحك. مهما يكن، همبرغر أو دون همبرغر، أنتم ستظلون ديمقراطيين في الوقت الذي نحن لم نكن فيه ديمقراطيين أبدًا.
- ما أسهل الديمقراطية وما أصعبها، هتف رجل التحري الخاص.
- أعرف أن الديمقراطية صعبة سهلة، همهم ملك الأردن، الديمقراطية كاللغة، لتتعلمها يجب أن تولد معها.
- ما عدا في مستشفى الأمراض العقلية.
- لكن الأردن ليس مستشفى للأمراض العقلية، والأردنيين ليسوا مجانين.
- البعض منهم، الثوريون. هل تفهمني؟
- لا حاجة بي إلى قراءة فرويد كي أفهمك.
- وكل الذين يكرهون أمهاتهم.
- تعني أنني لن أكون أبدًا ثوريًا؟
- سيكره جلالتك أمه لأجل شعبه.
- لم يقل فرويد هذا.
- ومن أخبرك أن فرويد قال كل شيء؟
بدا على جلالته الارتباك، وراح يلقي نظرة زائغة. مضت ساعة على وجودهم في المطعم أو يزيد، والملك لا يبتسم، ولا يتكلم. أخذت أطباق الأكل تتوارد على أيدي خدم المطعم، فتكلم الملك، وابتسم، وهو يتابعها إلى أن وقف على فحواها: دجاج محمر، وخروف مشوي، وسمك مقلي، ومحاشي، ومخاشي، و... و... فقطع الملك ابتسامته، وصاح عابسًا:
- ليست هذه طلباتنا!
- إنهم الجيران، يا سيدنا، همهم صاحب المطعم، ما أن علموا بقدومك حتى طبخوا لك كل هذا بلمح البصر ليرضوك، وليعبروا عن فرحهم بوجودك بينهم.
- مولاي، حضورك ترك أثرًا في حياتهم لا يُمحى، همهم رجل التحري الخاص.
- ولكن، فرانك، ماذا عن ذائقتي الطبخية؟ سأل الملك، وهو يعود إلى الابتسام.
- سترضيها في مناسبة أخرى، أجاب فرانك لانج، وهو يغرف للملك، اليوم فصاعدًا لسوف تتكرر المناسبات.
أخذ الملك ورجل التحري الخاص يأكلان بشهية، والجيران يسترقون النظر إليهما من الباب سعداء. كان للأكل طعم خاص غير ما اعتاد عليه ملك البلاد، في قصر رغدان كان الأكل نفسه، ولكن لم يكن الطعم نفسه. ومع ذلك، كان كل من يأكل في قصر رغدان يثني على مهارة الطباخ. لم يكن ذلك بسبب المهارة، ربما كان ذلك بسبب الجو. في العصور الوسطى، كان ملوك فرنسا يجربون أطباقهم الجديدة تحت أسنان المرضى، وكانت المستشفيات مختبراتهم الطبخية. لم يكن ذلك بسبب الجو، أو، ربما بسبب الجو شيئًا ما، الجو الذي لم يعتد المرء عليه كما هو حال جلالة الملك في المطعم الشعبي، وبسبب شيء آخر على علاقة حتمًا بالطبخ، وليس بالطباخ. خلال الأكل لم ينطق الملك عبدول بكلمة واحدة، كان يأكل، ومن حين إلى آخر كان يبتسم، كان يبتسم ابتسامة خفيفة، وينظر أمامه دون أن ينظر إلى أحد. كان يبدو عليه الصفاء، ليس بسبب لباسه البسيط، وكانت تبدو عليه الرصانة، ليس بسبب هيبته الملكية، ومن حين إلى آخر، كان يحمل إبريق الفخار، ويزربع من فوهته.

* * *

اقترح الملك على رجل التحري الخاص أن يتحليا هناك غير بعيد لدى حلويات جبري، فذهبا سيرًا على الأقدام، والناس بين متحايل ومتجاهل، وهؤلاء لأنهم لم يكونوا يريدون للملك إحراجًا. كانوا يتصرفون كما لو كان الأمر عاديًا، ولم يوهموا الملك بشيء آخر. كانوا يريدون أن يمضي الأمر بشكل طبيعي، مما أسعد الملك، وجعله ينسى التاج الوهمي الذي ينقله دومًا على رأسه مثقلاً إياه.
- تفضل بانتظار صدر الكنافة الجديد في الداخل، يا سيدنا، طلب الخادم من الملك، وهو يجرف بمجرفته آخر ما في الصدر من حلوى، ويضعه في صحن.
نظر الملك عبدول حوله، ورأى ماسح أحذية يقعي غير بعيد، فقال لفرانك لانج:
- سنمسح حذاءينا، فرانك، بانتظار ذلك، واتجه نحو ماسح الأحذية. يسميه الناس حلاق الأحذية، همس الملك في أذن رجل التحري الخاص.
- هذا لأنه يصوبنها بفرشاة؟ جازف فرانك لانج في كلامه.
- تمامًا، أكد الملك.
- ويجرف الرغوة بموسى تدفع صاحب الحذاء إلى لمس لحيته، أضاف رجل التحري الخاص، وهو يجازف في كلامه دومًا.
- ليس تمامًا، قهقه الملك.
- حقًا لم أدرس في علم النفس هذه الظاهرة، همهم الفرنسي، وهو يبتسم.
- علم الأحذية، رمى الملك.
- مولاي، القمع بسبب هذا.
- أنا أعتذر.
- مولاي، لا تعتذر.
- أنا أعتذر عن قمع لم أرتكبه.
- مولاي، كل علم النفس يقوم على القمع، وأنت صدقت القول، إنه لعلم أحذية تدوس الرؤوس.
- لكني ما قصدت إلا الهزء والسخرية.
- ليس أنا.
طوقت الملك مجموعة من العابرين لثوان، فتحسس جيبي بنطاله، وهتف برجل التحري الخاص:
- لقد سرقني أولئك السوريون محفظتي وهاتفي المحمول.
خف فرانك لانج إلى اللحاق بهم، وغاب بضع دقائق أخذ ماسح الأحذية "يحلق" خلالها حذاء الملك. عاد رجل التحري الفرنسي، وهو يحمل هاتف الملك المحمول ومحفظته، ويسأل:
- كيف عرف جلالتك أنهم سوريون؟
- ليس هذا لأنهم كتبوا ذلك على جباههم، أجاب الملك.
- إذن كيف؟
- عندما كان العراقيون هنا أيام محنتهم كان يحصل للناس معهم الشيء ذاته.
- حلاقة حذائك أعادت إليه لمعانه، علق فرانك لانج.
- تعال، إنه دورك الآن، هتف الملك بينما راح أحد الصبيان يعرض عليه شراء خرطوش سجائر بثمن منخفض. لا أريد سوى علبة واحدة.
- كل الخرطوش، يا سيدنا، قال الصبي.
- أنا لا أدخن إلا لمامًا، برر الملك عبدول مسلكه.
- كل الخرطوش، يا سيدنا، أعاد الصبي.
- سأشتريه لك، فرانك، قال الملك لرجل التحري الخاص الذي بدأ ماسح الأحذية "بحلق" حذائه.
- أنا لا أدخن إلا لمامًا مثلك، يا مولاي، قال فرانك لانج.
- كل الخرطوش، يا سيدنا، كله، ألح الصبي، وعلبة الكبريت بالمجان.
- هات، نفخ الملك، وهو يعطي للصبي ورقة نقدية. احتفظ بالباقي.
- الله يديمك، يا سيدنا، الله يحميك، لهج الصبي بالدعاء، وهو يتفحص الورقة النقدية.
- بعد الكنافة السيجارة ألذ شيء، قال الملك، وهو يفتح الخرطوش، ويخرج علبة أعطاها لفرانك لانج، ثم علبة احتفظ بها. خذ، قال الملك لماسح الأحذية، هذا لك، أعطاه كل ما تبقى في الخرطوش من علب، وورقة نقدية، وهذا يدعو للملك، ويدعو.
وضع الملك سيجارة في فمه دون أن يشعلها، وذهب مع مرافقه الفرنسي باتجاه صدر الكنافة الجديد، بينما فرانك لانج يتأمل حذاءه، ويبتسم إعجابًا.

* * *

- بعد الكنافة، قال الملك عبدول، وهو ينفخ سيجارته، ليس هناك أطيب من فنجان قهوة تركية سنأخذها في مقهى السنترال بالوجه المقابل. أشار جلالته إلى باب عمارة مفتوح على الرصيف المقابل، وهتف: هيا بنا! أمسك بيد فرانك لانج، وهو يقطع الطريق خائفًا بين صف سيارات طويل لا نهاية له، ولا يتوقف دقيقة واحدة، ومن باب العمارة المفتوح صعد الرجلان على درج ضيق ليجدا نفسيهما في قاعة مليئة بالزبائن والدخان.
- سنجلس على البلكون، قال الملك للنادل.
- تحت أمرك، يا سيدنا، همهم النادل، وهو يحمل للملك مقعدًا وثيرًا.
نظر الملك من البلكون، وهو يبتسم. تبدت له كل منطقة البلد تحت قدميه، بحركتها التي لا تنتهي، وصخبها، وأصالتها.
- الحركة والصخب والأصالة، ألقى الملك كما لو كان يلقي بيت شعر.
- أشك في الأصالة، يا مولاي، علق فرانك لانج.
- اتركني وشأني فرانك، هلا سمحت؟ نبر الملك.
- لا شيء فوق رغبتك، همهم رجل التحري الخاص.
- نعم، هكذا، همهم رجل البلاد الأول.
- ماذا تريد أن تشرب، يا سيدنا؟ سأل النادل.
- الركوة عندكم أعظم ركوة، هتف الملك.
- قهوة تركية، يا سيدنا؟ همهم النادل.
- بالهيل المطحون، وقليل السكر، عاد الملك عبدول يهتف.
- الخواجا أيضًا؟ سأل النادل فرانك لانج الذي هز رأسه موافقًا.
- وأحضر لنا طاولة نرد، قال الملك وابتسامته تتسع وتتسع.
- تحت أمرك، يا سيدنا.
فجأة، صاح النادل من مكانه:
- تنين عالريحة.
وحمل طاولة نرد كانت منسية على طاولة قريبة، وضعها أمام الملك ورجل التحري الخاص، وفتحها لهما، وهو يهمهم:
- شرفتما السنترال.
اختفى قليلاً قبل أن يعود بركوة مزدوجة، صب منها القهوة التركية اللذيذة الرائحة في فنجانين صغيرين موضوعين في صحنين صغيرين. جاء المثقفون من رواد المقهى، والتفوا حول اللاعبيْن المهميْن، وكلهم راح يشجع الملك، والملك يكسب في كل مرة. ترك فرانك لانج مكانه لغيره، وغيره لغيره، والملك لا يتوقف عن الكسب إلى أن أوقف سيد البلاد اللعب، وقال:
- ليس بالغش يكسب الملك.
فاحتج الحضور بصوت واحد:
- حاشا الله أن يغش جلالتكم.
- ليس أنا، صحح الملك، وإنما أنتم، وأولكم فرانك. لماذا جعلتموني أكسب وجعلتموكم تخسرون؟
- مولاي... همهم فرانك لانج تحت ابتسامات كل من كان هناك.
- عبدول، قال الملك، كنتُ موضوعًا للغش، وتداوم على اعتباري ملكًا.
- مولاي...
- آمرك بدعوتي عبدول.
- أمرك، يا مولاي.
- ماذا قلنا؟
- عبدول، كل ما فعلناه أننا يسرنا لك أسباب الكسب. أما إذا كنت تعتبر ذلك غشًا من طرفنا لصالحك، فاعذرنا.
- مولاي... همهم أحد المثقفين.
- عبدول، أمر الملك.
- عبدول، الحق أن الحظ لم يؤاتنا، فعملنا على أن تكون أنت المحظوظ.
- مولاي... همهم مثقف ثان.
- عبدول، صاح الملك.
- أبو نواس كان يخاطب الرعاع كما لو كانوا ملوكًا وأنت تريدنا أن نخاطب الملوك كما لو كانوا رعاعًا! صاح المثقف الثاني.
لكنه رضخ لأمر جلالته:
- عبدول، كل ما في الأمر أننا أردنا أن نتشبث باللعب مع الملك على الرغم من خسارتنا.
- إنه لشرف عظيم أن نلعب مع جلالتك، وأن نخسر، همهم مثقف ثالث.
- اللعب مع جلالتك قصيدة، يا سيدنا، همهم مثقف رابع، ولكي تكون القصيدة ناجحة كان عليك أن تكسب على الدوام.
- أن يكسب جلالتك هذا يعني أن نكسب كلنا، همهم مثقف خامس.
طلب الملك قهوة تركية للجميع، وتحول الاتصال إلى تواصل بين الملك والمثقفين.

* * *

أراد الملك أن يشتري ساعة لزوجته الملكة في السوق السوداء، فذهب مع فرانك لانج إلى ساحة الجامع الكبير. كان بائعو الساعات المهربة كلهم سوريين، وكانوا يبيعون بضاعتهم على مرأى ومسمع جميع أفراد الشرطة.
- هذه ساعة كارتييه صح، يا سيدنا، همهم البائع، وهذه ساعة كارتييه مش صح. الصح ثمنها مائة دينار، ومش الصح خمسون.
تناول الملك عبدول الكارتييه الصح، وراح يتفحصها. أعطاها لفرانك لانج كي يتفحصها بدوره، وتناول الكارتييه مش الصح دون أن يجد أي فرق بينهما. أعطى مش الصح لرجل التحري الخاص، واستعاد الصح، وذهب متأملاً.
- آخذ الصح بخمسين، قال الملك. اقبل أو لا تقبل.
خلصهما البائع الساعتين، وأخذ يخلطهما، والملك عبدول يصيح:
- أين الصح من غير الصح الآن؟
حمل الملك الساعتين، وقلّبهما، وهو يقول:
- كلاهما الشيء نفسه.
قلّبهما فرانك لانج بدوره، وقال:
- صحيح ما قلت، الشبه بينهما كامل.
حمل البائع الساعتين، وطلب، وهو يمد إحداهما:
- ماذا قلت، يا صاحب الجلالة؟ أعطيكها بخمسين.
- وكيف لي أن أعرف الصح من غير الصح؟
ضحك البائع الماكر، وقال:
- أنا أعرف. خذ، هذه هي الصح.
فلم يأخذها.
- والله إن هذه هي الصح.
- لا تحلف.
أخذ فرانك لانج يتفحص غير الصح، ويقول:
- مولاي، هذه هي الصح.
نظر الملك إلى الساعة الصح، وقال "لا"، وإلى غير الصح، وقال "لا"، وأعطى للبائع ظهره، والبائع ينادي عليه، ويقول:
- الساعتان صح، يا مولانا.
- وإذا ما كانتا غير صح، الاثنتان؟
أمسك المهرب الملك من ذراعه، وجذبه:
- انظر إلى الكبسة هنا، هذه الكبسة لا أحد يستطيع تزويرها، إنها كبسة كارتييه.
- سآخذ الساعتين بخمسين. اقبل أو لا تقبل.
- مبروك عليك، يا سيدنا، ودفعهما في يده، وأغلق عليهما أصابعه.
عاد الملك يقلّب النظر في الساعتين، وبعد بعض التردد دفع للبائع خمسين دينارًا، فافرنقع البائع، وفرانك لانج يقول:
- صفقة رابحة، عبدول، حتى ولو لم تكونا صح، صفقة رابحة.
- لكني أفكر فيم ستفعل الملكة بساعتين.
- ستستعمل واحدة إلى أن تخرب ثم ستستعمل الثانية.
- وإذا لم تخرب؟ إذا كانت صح بالفعل، ولم تخرب؟
- ستعرف أن الثانية مش صح، وسترتاح.
- وإذا كانت الثانية صح؟
- ستتركها ككل شيء صح في قصر رغدان.
عتمت ملامح الملك، وهمهم:
- وهل هناك شيء صح في قصر رغدان؟
في تلك اللحظة، دوى هتاف: "الله أكبر!"، فوضع الملك الساعتين في جيبه، والتفت إلى مجموعة من المصلين الخارجين من المسجد الكبير. كانوا يحملون صور الملك، وأعلام الأردن، وأعلام الإخوان المسلمين، ويافطات تندد بالفساد، وتطالب بالمساواة بين الأردنيين، وبالعدل، وبالحرية. غضب الملك عندما رأى صوره، صورًا كانت للتغطية، فذهب، والكل ينظر إليه، ومزقها. تناول أعلام الإخوان المسلمين، وأنزلها. بعد ذلك، تقدم الملك المتظاهرين، وأخذ يصرخ:
- يسقط الملك!
فالتقطه رجال الأمن، وذهبوا به إلى مركز الشرطة.

* * *

في حجرة التوقيف، تعرف ملك الأردن على ملوك آخرين. كانوا قبيحي الوجوه، قذري الملابس، لكنهم كانوا يملأون المكان، ولم يكن هناك مكان لظلالهم.
- أنا ملك البطيخ، قال الأول.
- أنا ملك البطاطا، قال الثاني.
- أنا ملك المناقيش، قال الثالث.
- أنا ملك الشاي، قال الرابع.
- أنا ملك الشاورما، قال الخامس.
- أنا ملك التشيكين تيكا، قال السادس.
- أنا ملك المعكرونة، قال السابع.
- أنا ملك العدس، قال الثامن.
- أنا ملك الزيت والرز والصابون، قال التاسع.
- أنا ملك البالات، قال العاشر.
- أنا ملك الكنادر، قال الحادي عشر.
- أنا ملك الخردوات، قال الثاني عشر.
- أنا ملك العقاقير، قال الثالث عشر.
- أنا ملك العاهرات، قال الرابع عشر.
- أنا ملك العاهرين، قال الخامس عشر.
- وأنا ملك الملوك، قال الملك.
أخذوه في أحضانهم، وأخبروه أن لولاهم لكان استغلال التجار أكبر استغلال، ولمات الناس من الجوع والمسغبة. كانوا "لوبي" الشعب، ملوكه ضد مافيوزاته، وهم لم يكونوا في مركز الشرطة إلا لأن التجار وشوا بهم لأجل التخلص منهم، ورفع الأسعار ما شاء لهم. جاء فرانك لانج، وكفلهم كلهم والملك، وأطلق سراحهم. رافقهم الملك إلى مقرهم تحت السيل، فذهبوا إلى قصر رغدان، وأحضروا له سريره، ومكتبه، وبيجامته. قالوا له أنت ملكنا، ونحن السمع والطاعة.


القسم الثالث

توقفت الأزمنة تحت السيل عند منتصف الليل، فلم تعد تسمع تأوهات عمان. كان الملك ينام ملء جفنيه، وكان لا سيل هناك. كانت الأقبية جافة، وجسد عمان نحيفًا. بين ذراعي عمان، كانت جبالها الجرداء، وكانت آلاف النجوم الميتة. كان الموت يتنفس في عمان، وأصابع ميتافيزيقية تخرج من البتراء، وتخلع شلحات النساء. كانت الطريقة الوحيدة التي يعبّر فيها التاريخ عن حبه لعمان. كانت الأصابع الحجرية تخلع شلحات النساء، وتنفل ضفائرهن، وكان جمالهن باهرًا. لم تكن النساء كغيرهن، كن نساء عمان، من ضلع الصخر كن، ومن شبق الدين. لهذا كان الحلم بنساء عمان معصية للأنبياء، وفي عمان كان الرجال أنبياء كلهم. لم يكن فرانك لانج لينام ملء جفنيه كمليكه، لكنه كان يحلم كما يحلم الأنبياء بنسائهم. عارية كانت أبولين دوفيل في حضنه، حية كانت، وعقربًا. كانت تلدغه، فيتألم، ويتمنى ألا يزول ألمه. كان الألم الذي تسببه له أبولين دوفيل، وهي تلدغه، اللذة. لم يكن ألم اللذة، كان اللذة، وكان فرانك لانج يتأوه دون أن يسمعه أحد، حتى أبولين دوفيل العارية في حضنه لم تكن تسمعه. كانت لا تسمع شيئًا، كانت مشغولة بلدغه، تترك السم يسيل من نابها إلى كل جسده، فيلتف فرانك لانج بذراعيها، ويترك نفسه لها، هكذا، يترك كل نفسه لها، فيكون موضوعًا لشهوتها، كالرعية موضوعًا للملكية. كان فرانك لانج وقتها موضوع الشهوة، هذا ما كان عليه أن يكون بالمقابل، أن يكون موضوع الشهوة، لتغدق عليه أبولين دوفيل كل الألم، كل اللذة.
- انهض لانج، همست أبولين دوفيل في أذنه، وهي تهزه هزًا خفيفًا.
نهض رجل التحري الخاص دفعة واحدة، فهدأته، وهي تغدق عليه ابتساماتها بسخاء.
- هذه أنا، همهمت ضابطة الدي جي إس إي، عدت بالملكة إلى عمان.
- إذن لم يكن ذلك سوى حلم، همهم فرانك لانج.
- يا منحل الأخلاق! رمت أبولين دوفيل دون أن تتوقف عن إغداق ابتساماتها عليه بسخاء، تغتصبني خلال نومك!
- لم يكن اغتصابًا، أقسم لك.
- إذن ماذا كان، أيها الفُطر؟
- كان شيئًا أقرب إلى عناق الأنبياء.
- لا تقل لي إن الإخوان المسلمين هم الذين أباحوا جسدي لك.
- أبولين دوفيل، لماذا لا نتزوج؟... أعرف أنك تحبين الجنسين، سأترك لك مطلق الحرية.
- سنتزوج في أحد الأيام، أيها الفُطر، لست أدري متى.
- لن نرجئ ذلك إلى الأبد.
- يجب أن تساعد ملكة الأردن كما أساعدها، أنا لا أطلب منك التخلي عن ملكك، وبعد ذلك سنرى.
- لماذا لا تساعدين أنت ملك الأردن كما أساعده؟
- عليه التنازل عن العرش للحسيني ولده القاصر، وترك كل شيء لوصاية زوجته، أم أنك ستجعل من أصحاب اللحى كوابيسك بدلي؟
- لقد وقع جلالته على حلفائه، ملوك تحت السيل، وسيخلّص البلاد من الإخوان المسلمين كما تريد جلالتها، وكذلك من الفاسدين حلفائها.
- لن تقبل جلالة الملكة.
- ولن تقبل أمريكا.
- لكننا سنحاول، قل لي إننا سنحاول، لتكن الملكة وصية، وبعد ذلك ليكن الملك أي شيء آخر، ليكن رئيسًا. في بلاد العرب لا يوجد فرق كبير بين الملك والرئيس إلا بالاسم. هل تفهمني، أيها الفُطر؟
- انتهى العهد الذي يكون فيه الرئيس رئيسًا إلى الأبد.
- رئيس الأردن سيكون ثلاث مرات رئيسًا، أعدك ألا يبقى إلى الأبد. ثلاث مرات شيء كثير، والرئيس الديمقراطي بالفعل يكره البقاء في الحكم طويلاً. ثلاث مرات لانج، هل تسمعني. لنتفق أنا وأنت حالاً.
- وماذا عن زواجنا؟
- يلعن دين، نبرت أبولين دوفيل، يلعن دين، يلعن دين! أي خراء الحياة مع منحصر!
- استبداد الحب هذا هو.
- وهذا هو قضيبي، هل تنسى أنني كابتن، وأن لي قضيبًا كغيري من الضباط! يلعن دين، يلعن دين، يلعن دين! انبسط الآن، كن قضيبي!
- غدًا سأكلم جلالة الملك بالتنازل عن العرش للحسيني ولده.
- هل رأيت كم هو الحب جميل الآن؟
- لكن البلاد ستمر بحال عصيبة لا سابق لها.
- هذا من شرط كل ثورة.
- عندما كنت أريد الثورة على أمي كنت أعمل على تدهور الوضع بيننا إلى أقصى حد.
- أرأيت؟
- كان علي أن أرعبها بينما كنت أرتعب منها ارتعابًا، فأتظاهر بالجنون.
- التظاهر بالجنون كالجنون ليس شيئًا بذي بال عندما نصر على ما نريد.
- صحيح ما تقولين، في لحظة معينة نحن لا نعلم، الجنون هو هكذا، ألا نعلم إذا كان جنونًا.
- عندما نصر على ذلك.
- نعم، عندما نصر على ذلك.
- اتفقنا إذن؟
ولم تنتظر منه جوابًا، جذبته إلى صدرها، وقبلته قبلة طويلة، طويلة، طويلة جدًا.

* * *

في الصباح، لحق فرانك لانج بالملك ليبول وإياه على طرف السيل.
- لن يطفو السيل بالبول، قال الملك، بالبول أو بدونه، في الصيف لا سيل هناك.
- لكنه سيطفو بالأفكار، قال رجل التحري الخاص.
- الأفكار، تنهد الملك.
- الأفكار التي تشغلنا، تنهد رجل التحري الخاص.
- إذن ليسهم الدكتاتوريين فقط، همهم صاحب الجلالة.
- الأنبياء أيضًا، همهم فرانك لانج.
أخذ الرجلان يبولان، فسأل الملك:
- ماذا لديك فرانك؟
- الملكة هنا.
- أبولين دوفيل هي التي أخبرتك؟
- وأنا أوافقها الرأي.
- التنازل عن العرش للحسيني ولدنا.
- مولاي...
- عبدول.
- عبدول، سيمضي الأردن بحال عصيبة، وستكون...
- أكثر من هذه الحال العصيبة؟
- إنما الحُكْم بُعْد النظر، سيتفاقم الوضع، وستكون البديل الوحيد.
- لأنني لست اليوم البديل الوحيد؟
- هناك بدائل عديدة ربما كنت أحدها، ولكنك لست البديل الوحيد.
- لم يجرؤ أحد على قول ما قلت حتى هذه الساعة.
- لأنني أستمد الشجاعة من... اغفر لي.
- وإذا لم أغفر لك؟
- لا أحد يساويك في الإزعاج، خراء!
- من يخرّي الآخر، أنا أم أنت؟
- أنت، جلالتك، خراء، خراء!
انتهى الرجلان من البول، واعتذر فرانك لانج. عادا إلى قاع السيل ليجلسا على حجرين من حجارته، ولم ينظر أحدهما إلى الآخر. جمع الملك حفنة رمل فضية في قبضته، ونثرها.
- تحت السيل هذا أكثر راحة من كل العروش، همهم الملك.
- هذا صحيح، همهم فرانك لانج.
- ومع ذلك.
- لم تتغلب على خوفك.
- السلطة لمن يخاف، هذه بديهية لا تحتاج إلى علماء النفس.
- لن تخاف لما يجيء الشعب بك إلى السلطة.
- هذا ما يعلمه كل الحكام ولا يعملون به، حتى الذين يجيء الشعب ب

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2026 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2026 Copyright, All Rights Reserved