رمضان ومشهدان !

2020-05-12

أول الكلام :

حرصت أن اكون صريحاً مع الأصدقاء في أفكاري ومشاعري، وأحاول ما وسعني الحال أن أتخلى عمّا  يُنغِّصني عند الكتابة، فإن لم أستطع أتوقف عنها؛ ولهذا لا تجدني أرد على الهاتف ولا أبادر بالكلام مع الأصدقاء والمعارف كي لا أنقل لهم شيئاً لا يسرهم أو بتعبير أدق لكي لا أنقل لهم طاقة سَلبية امتثالاً للمثل السائر: اللي بيهم يكفيهم ! وهكذا أنكفىء على نفسي حتى ينصلح الحال.. وقد أعلل انقطاعي بشغل شاغل أو لشأن ضروري لا بدّ منه وربما لأسباب أخرى كالسفر!

ومع الجائحة الوبائية والركون في الصومعة والشعور بمرارة العزلة والإنفراد، يكون الحال مُمِضاً حين يصبح مفروضاً فرضاً.. ناهيك عن أخبار جلّها لايس، فهكذا يصبح الإنكفاء خياراً مرّا.. أو جائحة نفسية غدت أقرب إلى المتلازمة..

***

والمشهد الأول محزن ومؤلم وبشع ومتوحش، يستفز النفس فتثور فيها مشاعر الغضب والسَّخط ما يجعلك تكفر بالصَّدقات في هذا الشهر الذي يوصف بأنه شهر الرحمة !

المكان : ساحة في مدينة الكويت، كويت العروبة والإسلام ..

والزمان : الأثنين 19  من شهر رمضان 1441؛ 11 مايس 2020 ..

وقف عشرات من العمال الوافدين في طابور طويل ليستلموا غلالة الإفطار من محسنين، أجسام هزيلة ناحلة أعياها جوع رمضان في نصف الساعة الأخيرة قبل موعد الإفطار، وإذا بأحدهم يجري ويتبعه رجل من المحسنين بيده هراوة ويلحق به ويضربه ضربة تسقط الوافد الجائع على الأرض فيوسعة سلسلة ضربات شديدة حاقدة ثم يستطيع أن ينهض فيتبعه ويضربه ضربة تسقطه ثانية ويوسعه بسلسة أخرى من ضربات أشد فتكاً ثم يستطيع الإفلات جارياً حيث تعب الضارب وأسلم المضروب ساقيه للريح !!

والمؤلم حقاً ليس مشهد الضرب الوحشي فقط، بل استمرار زملاء المضروب بالوقوف ليستلموا غلالات الإفطار ويقفون موقف المتفرجين العاجزين فلم يدافع عنه أحد ولم يثأر أحد لكرامة زميله التي هي كرامة زملائه، ولا أدري كيف سيتناولون إفطار الذل والعجز والتفرج على زميل لهم يضرب ضرباً ينم عن حقد وتوحش.. أما كان حرياً بهم أن يتخلوا عن إفطار الذل تضامناً مع زميلهم أم إنّ "الجوع أبو الكفّار!!" .

والسؤال : أية جناية عملها هذا الصائم الوافد ليستحق كل هذا الضرب والإذلال ؟!

هل سيجلس هذا المحسن ويتشدق بعمله الإنساني في مضافات الكويتيين التي تزدهر في ليالي الشهر الفضيل ؟ هل سيصف لهم عمله الإنساني في إطعام الصائم الوافد ضربات بالهراوة أم سيكتمها لنفسه كواحدة من أعماله البطولية ؟!!

تنقل القناة الرصينة الموثوقة الخبر وتختار تعليقات، أحدهم باللهجة الكويتية يبارك للضارب ما فعله بالوافدين الذين يستحقون التعامل جده (كده).. ومعظم العرب يستنكرون.. لكن أحد المعلقين وضع فلم فيديو مغاير تماماً كأنه أراد أن يقول أن هناك مشهداً كله إنسانية..

المشهد : تخرج سيدة جميلة ذلك الجمال الرقيق الذي تشع من معالمه الطيبة والرقة والنبل ومعاني الحنان الذي تحمله الأم لأبنائها وبصوت فيه نبرة الإحساس المرهف، فما الحكاية ؟

تروي : "إنني أستاذ للغة الأنكليزية في إحدى الجامعات الغربية وطلابها عشرة من العرب، حيث لدينا تعليمات صارمة أن لا نكشف هويتنا ولا نتكلم بحرف عربي، وتقول ذات مرة سمعت ثلاثة من الطلاب أحدهم يشتاق إلى صحن رز مع لحمة خروف مما تطبخه أمه، وآخر يعقب، أشتاق صحن تبولة والثالث : أشتهي صحن حمص (بطحينة) .. وانتهى الدرس وخرجت بسيارتي وعرّجت إلى السوق -وحوار الطلاب لم يفارقني- فاشتريت ما يلزم من لحم وخُضر،  وذهبت الى المنزل وحضرّت قبل النوم ما يلزم وما عليّ سوى أن أطبخ في الصباح الباكر"..

وذهبت محملة بما طبخت، ومباشرة  الى غرفة الإستراحة "وقلبت قدر المقلوبة وقدمت التبولة والحمص، وبدت السفرة أنيقة جميلة، وتمنيت أن أرى الطلاب كلهم على مختلف مشاربهم وأديانهم لا سيّما الذين اشتهوا الطعام، ودخلت الصف وكانوا حاضرين كلهم : تعالوا ناخذ الدرس في قاعة الإستراحة فاستغربوا، دخلو القاعة واندهشوا بما رأوا وعانقوا أستاذتهم : أنت عربية إذن" !!

ولا أدري من فرح أكثر؟ الأستاذة أم الطلّاب !!

تحية لتلك الأستاذة الأردنية الرائعة !

وتباً لذلك المحسن الذي يُحسن بالهراوة !!

شتان بين المشهدين شتان !!

العشرون من شهر رمضان 1441

الثاني عشر من أيار/ ماي2020

https://www.bbc.com/arabic/trending-52622427

 

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
© 2020 جميع حقوق الطبع محفوظة © 2020 Copyright, All Rights Reserved