سينوغرافيا الموت

2021-03-20

لم يعد الحُبّ الخالص موجوداً . الحب الذي يقتل فقط متاح الآن . نتجرعه مع القهوة الرخيصة، كالسجائر الرديئة التي تصيبنا بالسعال المزمن . كالجنس المحرم الذي نمارسه وراء الجدران . هذه الأرض لم تعد تنفع لشيء . إلّا للدوران بشكل عكسي . يبدو أنها تدور باتجاه قبلةٍ الموت . نستيقظ في الصباح نكتب كل يوم في صفحة الفيسبوك لروحه السلام والسكينة ولكم طول البقاء من بعده . (والله طول البقاء صارت دعوة سيئة في هذا الوقت ! جرب بس أنت وحظك لو حابب تبقى، ذنبك على جنبك) .   

 نخاف أن ندخل إلى الواتسأب ليقال لنا الصديق الذي كان على جهاز الأوكسجين سلمّ أنفاسه المتقطعة . وقرّر أن يمتطي قطار المحطة الأخيرة . قد تذهب النساء لشراء بعض الحاجيات ويعدن إلى المنازل بأكفان بيضاء .

لقد أصبحنا أبطالاً حقيقيين؛ لأننا نخرج كل يوم لنواجه أيامنا السيئة، ومصائرنا الخفية التي تخبئ لنا الحظ المنكوب . مثل بلادنا المهزومة .

  نحن نكرر كل شيء، نقف في طوابير الخبز ولكننا نخشى من دقيق الفجيعة . نقف وراء الجنائز  لنؤدي تمارين الموت . ندعو السماء  كي ينتظر عزرائيل قليلاً لنسدد الفواتيرالثقيلة التي تحتاج ربما لسنوات ضوئية لتسديدها .

نشتري الرصاص والمدافع وليس في جيوبنا ثمن سندويشة فلافل . ندع فتات القهر على طاولات الأطفال . ليذهبوا إلى النوم بمعدة خاوية . الأطفال الذين يحلمون بأرجوحة العيد وكعكة الميلاد . نهدم المدن لنعيدها للعصر الحجري . الرجل البدائي كان إنساناً محظوظاً لم ترتجف الأرض من تحته كل يوم بالمدافع الثقيلة والإنفجارات . ضربة سكينة سريعة بيمشي الحال،  لو كره شخصاً أو أحبه حباً قاتلاً  وأراد الخلاص منه .

نطلب من  المخرجين، والممثلين والنحاتين والفنانين أن يحضروا لسينوغرافيا الموت وليس للمسرح الحقيقي . الفن الحقيقي الآن هو التفنن بتعذيب البشر والإبداع بإيجاد ميتّة مختلفة لهم كل يوم، انفجار بقنبلة، انفجار من القهر من الجوع، من الإنتحار، من التعذيب اليومي المريع والجري وراء لقمة العيش المستحيلة .

يبدو أن الإله غير غاضب منا كثيراً،  فهو يأخذنا بالتقسيط المريح ليريحنا من هذا الكوكب المريض والمتعفن . ننظر إلى السماء فلا نرى إلّا نجوماً ذابلة يكتسحها الدخان .  والأرض ترحب  بقتلاها وكأنها تحتفل بعرسٍ جماعي من أجل مكافحة وحش الغلاء . في عيون الشباب أحلام مقتولة وآمال مبتورة . أفواه تطلق أنين الجوع الذي حل بدل عويل الرصاص . وكأن الفرج أصبح  كمن ينتظر القيامة الكبرى .

أنا الآن جرحٌ عظيم في هيئة امرأة، فتاة، أو سيدة . حزينة على شعبٍ أصبح يمشي ويتحدث مع نفسه .

هند زيتوني

** كاتبة وشاعرة سورية مقيمة في الولايات المتحدة الأمريكية، صدرت لها ثلاث روايات: "إيلينا"، و"بوح النساء"، و"أنثى بطعم النبيذ".

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2024 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2024 Copyright, All Rights Reserved