تحديات الهوية العمرانية والتاريخية والحضارية لبغداد

2012-07-21

لا نب//api.maakom.link/uploads/maakom/originals/dbf7a1f5-577e-4af9-a855-941315486c3a.jpeg عد عن الواقع إذا قلنا، أن مدينة بغداد سبقت أغلب نظيراتها من عواصم بلدان المنطقة في ركوب موجة المعاصرة التي طرقت أسوار مجتمعات هذه البلدان بنسب متفاوتة على خلفية انهيار إمبراطورية الرجل المريض التي كانت تداعيات سياساتها المتمثلة بالثالوث المخيف (الفقر والمرض والجهل) من ابرز العنوانات المميزة في حياة شعوب البلدان التي كانت ترزح تحت سيطرتها. ولأن بغداد كانت عاصمة الخلافة الإسلامية، وحاضرة الدنيا في سالف الزمان، فان تمدنها كان يتجدد عبر العصور بفضل عطاءآت أبنائها، وبخاصة ما تميز من أعمال إبداعية على الصعد كافة. وعلى الرغم من شدة وطأة جراحات مدينة السلام وعظمة مكابدات أهلها، فان عبق ماضيها مايزال يوشح حاضرها بمعالم الرقي والمدنية والإبداع، ويضفي على صباحاتها سحرا وجمالا. وهو الأمر الذي يستلزم من أهلها وولاة أمورها الإسهام بفاعلية في مهمة المحافظة على موروثها الثقافي والحضاري، بوصفه احد عوامل إعادة الالق إلى مدينة العلم والأدب والثقافة والفنون، إلى جانب العمل على إزالة كل ما يتجاسر على هيبتها وكرامتها الثقافية والعلمية والتاريخية والحضارية والعمرانية والفنية. وتتفرد العاصمة بغداد عن كثير غيرها من العواصم والمدن بسعة ارثها الحضاري وعمق امتدادها التاريخي الذي يتجسد بآثار وشواخص وبقايا عمران تشكل بمجموعها وثائق مادية لو قدر لها أن تكون في إحدى مدن البلدان المتقدمة، لكان لها شأن آخر، فضلا عن إمكانية استثمارها في زيادة الناتج المحلي الإجمالي وتدعيم الاقتصاد الوطني. وينضاف إلى ذلك دلالاتها القيمية، بوصفها مراكز تنوير خرجت من معطفها ثقافات وعلوم وفنون أثرت البشرية بما أسهم في بناء أمجاد الأمم الحضارية والثقافية والعمرانية والفنية. وتشكل الدور والمباني والأسواق والخانات والحمامات الشعبية وغير ذلك من الشواخص التراثية التي جرى إقامتها في عهود مختلفة، جزء من موروث مدينة بغداد الذي مايزال بعضه حاضرا في حياتها العامة، حيث ان كثير من هذه المعالم القديمة التي يعود تاريخ إنشائها إلى بدايات القرن الماضي ماتزال قائمة تواجه عاديات الزمن من دون الحاجة إلى أعمال صيانة تقتضيها مهمة إعادة تأهيلها، فض//api.maakom.link/uploads/maakom/originals/f4c76bba-804d-48da-a800-ddeadf9e7610.jpeg لا عن دقة فعاليات انجازها وجمال تصاميم واجهاتها التي تسحر الناظر بسبب تفوقها في كثير من الجزئيات الحرفية المعتمدة في أسلوب العمارة المستخدمة حاليا بإعمال البناء. وبصورة عامة تحرص بلديات المدن في اغلب بلدان العالم على الاهتمام بثروة مدنها الثقافية والحضارية والعمرانية والفنية ، ومن جملتها الوثائق المادية المتمثلة بالدور والمباني وغيرهما، باستخدام أفضل الوسائل التي تضمن الحفاظ عليها. وفي مقدمة هذه الإجراءات إصدار التشريعات القانونية التي تحرم العبث بها وتحدد الضوابط التي تفضي إلى المحافظة عليها. ولمصداق ما اشرنا أليه، فان الحكومة الاسترالية ممثلة بإحدى دوائرها البلدية رفضت الترخيص لمواطن استرالي الشروع بهدم منزله وإقامة آخر جديد على أرضه بسبب خشيتها من ضياع صندوق الرسائل القديم الذي كان مثبتا على واجهة منزله منذ أكثر من (70) سنة، أو تعرضه لأضرار جراء فعاليات الهدم والبناء، مما اضطر هذا المواطن تقديم تعهد خطي في المحكمة المختصة يضمن المحافظة على صندوق الرسائل في مكان آمن، وإعادته بإشراف موظفين من دائرتي البريد والبلدية إلى واجهة المنزل الجديد بعد إتمام انجازه. كذلك كان الحال بالنسبة لتجديد ملعب (ويمبلي) الشهير في انجلترا الذي يحمل دلالات معنوية كبيرة، بوصفه المكان الذي توج الانجليز أبطالا لكأس العالم بكرة القدم عام 1966م والاحتفاظ بكأس (جول ريميه) أربع سنوات في خزائن اتحاد كرة القدم الانجليزي. وأتذكر جيدا ما قرأته قبل عقدين من الزمان أن عجوزا تحمل الجنسية البلغارية استوقفها احد الباحثين المولعين بالتراث وسألها عن كنيسة كانت آيلة للسقوط، مما استلزم هدمها وإعادة بنائها بنفس المواصفات السابقة، فضلا عن حرص المشرفين على بنائها استخدام كثير من المواد التي خلفتها عملية الهدم في عملية البناء، فأجابت بثقة تامة، انها مشابهة تماما لتلك التي أزيلت، لكنها ليست هي، مما يؤكد ما اشرنا أليه بصدد المحافظة على معالمنا الحضارية والعمرانية والثقافية والفنية. ومن الإشارات المهمة في هذا المجال أن شواخص بغداد العمرانية التي تحكي للأجيال عظمة دوافع تجدد مدينة طالما ابتليت بالغزو والاحتلال وهي تتشبث بالحياة وتتطلع إلى آفاقها الرحبة، وقعت أسيرة الإهمال الذي اضر كثيرا ببعضها، فضلا عما أزيل منها لإقامة محلات تجارية وصناعية على وفق الطراز المعماري الحديث السائد حاليا في البلاد. وليس من شك في ان استمرار الإهمال بهذه المواقع سيعرض المدينة الى فقدان هويتها المعمارية واندثار كثير مما سجلته ذاكرتها عبر العصور بمختلف معطياتها. أن الأهمية التاريخية والعمرانية والتراثية التي تشكلها هذه المعالم التي شيدت على مساحات واسعة من مدينة بغداد، وبخاصة ما أقيم منها على جانبي نهر دجلة تعود الى ماشهدته هذه المواقع من أحداث تعد صفحات مهمة من ذاكرة بغداد، فضلا عما تحمله هذه الدور والمباني والأسواق والخانات وغير ذلك من معالم فنية وأساليب عمرانية أكسبتها الخبرة للبناة المهرة الذين عكسوا صورة رائعة لكفاءة أداء المعمار العراقي عبر مختلف العصور التي ولدت فيها هذه الشواخص التي يعود تاريخ بعضها إلى بدايات العصر العباسي وبعضها الآخر إلى نهايات العهد العثماني مثلما هو واضح في المباني المقامة بمنطقة جديد حسن باشا وغيرها ن مناطق بغداد فضلا عن الروائع المعمارية التي أنجزت في بداية القرن الماضي والتي أصبحت مفاصل مهمة من تاريخ مدينة السلام والشعر والجمال وتراثها. وتعد حرفة الزخرفة على الخشب الذي كان يصل بغداد من الهند والتي يشار أليها باسم (الشناشيل) من أروع المهن التي كانت تنجز بطريقة رائعة الجمال وبحنكة فنية عالية تعكس دقة الحرفي البغدادي حينذاك. وقد انتقلت هذه الصنعة البغدادية الجذور إلى فيحاء العراق وبوابته الإستراتيجية مدينة البصرة جنوبا، حيث ماتزال توشح واجهات أبنيتها القديمة، ثم مالبث ان عبرت البحر لتصل مدن المغرب العربي قبل أن تترك بصماتها على مباني اسبانيا التي ماتزال تحرص على المحافظة عليها وإبراز جمالها الأخاذ الذي يعد من عناصر الجذب السياحي. وقد كانت الشناشيل مفصلا حيويا في العمارة العراقية وعنصرا فاعلا في تشكيل ما أقيم من دور وأبنية في بغداد وغيرها من مناطق البلاد لاعتبارات فنية ودواع عمرانية وبيئية. ان كثير من هذه المباني بحاجة الى الاهتمام الذي يستلزم توجيه أعمال القيادات الإدارية صوب إنقاذها من الاندثار، من اجل تأهيلها واستثمارها بمشروعات ثقافية آو فنية آو علمية، الى جانب اضافتها لخزين البلاد العمراني، بوصفها شواخص مؤثرة في رونق المدينة ومشهدها الحضاري. إذ تعرض كثير منها إلى التآكل نتيجة طفح المجاري وغيرها من مصادر الرطوبة التي تعددت أشكالها على خلفية الإهمال الناجم عن جهل او تجاهل بعض الجهات المحلية والمواطنين الأهمية العمرانية والتراثية والتاريخية لهذه الشواخص التي اضمحل كثير منها في المدة الماضية بفعل بيعها باسعار خيالية تثقل جيوب وخزانات مالكيها وتعرض المدينة الى خسارة ارثها الحضاري والثقافي والعمراني الذي لا يقدر بثمن، حيث ان بيعها سيؤول بها الى الإزالة وإقامة مشاريع تجارية على أرضها، يعتمد في تغليف اغلبها بمادة (الالو كوبون) التي ستفضي الى اندثار (الشناشيل) وغيرها من معالم الابنية، فضلا عن الابنية ذاتها التي تعد بتصاميمها وطريقة بنائها وواجهاتها معالم مهمة تركت بصماتها على الهوية العمرانية والحضارية والثقافية لمدينة بغداد. وعلى وفق ماتقدم، فان حكومة بغداد المحلية ، وغيرها من الجهات المعنية، لاسيما البيت الثقافي العراقي والجامعات العراقية معنية بمسألة الحفاظ على وثائق عاصمتنا المادية من الاندثار والضياع وسط تقلص الإجراءات الخاصة بالحفاظ على تاريخ البلاد وموروثها الثقافي والحضاري، أو اضمحلالها، مما يستلزم من القيادات الإدارية توجيه مفاصلها صوب الآليات التي بوسعها إيقاف هذا النزيف العمراني والثقافي والحضاري الذي أصبح ظاهرة تعكس جهل شريحة واسعة من مجتمعنا بأهمية ارثنا العمراني وقيمته الفنية والتاريخية والحضارية.

* المهندس لطيف عبد سالم العكيلي / باحث وكاتب

haylatif@yahoo.com

 

 

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2024 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2024 Copyright, All Rights Reserved