عثمان وقيع الله عاشق الحرف العربي

2020-08-30

الفنان السوداني عثمان //api.maakom.com/uploads/maakom/originals/9ddffc5e-7af7-4d5a-8782-7f336ee7afcb.jpeg وقيع الله هو واحد من أهم الخطاطين في العالم العربي، عشق الحرف العربي، وأعطاه من مخزونه طاقة فنية فذّة، ولأنه يمتلك في أعماقِه طاقة غزيرة من الإبداع، لذا فإنه انطلق بالحرف العربي خارج نطاق المألوف، كي يعطيه المزيد من الإمكانيات والإيحاءآت الشاعرية الحالمة، ونقله على لوحات احتلت خريطة الفن التشكلي . إن فن عثمان وقيع الله سيبقى شامخاً، لأنه يحمل إخلاصَه، ووفاءَه، واحتفاءَه بالخط العربي . لقد كانت لهذا الفنان المبدع قدرة هائلة على العطاء، ومهارة عالية في تفريغ طاقته الإبداعية على الحرف العربي، والخروج به عن المألوف ليجعل منه تشكيلات تتناغم مع اللون، وتتلاحم مع الموضوع، لتجُسم قيم جمالية استطاع أن يحفر بها اسمه بعمق ...

وفاءاً وتكريماً

على قاعة المتحف الوطني البريطاني في لندن أُقيمت امسية للفنان السوداني عثمان وقيع الله، وفاءاً، لوفائه وعطائه، وتكريماً، لطاقته التي كرسها احتفاًءاً وعشقاً للحرف العربي ... لقد دعت لهذه الأمسية كل من د . فانيشا بورتر مسؤولة قسم الشرق الأوسط وآسيا، للمجموعة الإسلامية والسيدة نظيرة التميمي، وكانت الأمسية من تنظيم السيدة نظيرة التميمي .

أُفتتحت الأمسية بكلمة للدكتورة فانيشا بورتر وكانت كلمتها مصاحبة بعرض سلايدات وشرح تحليلي لأعماله وخاصة الأعمال التي اقتناها المتحف البريطاني الدائم، وعرضت د.بورتربعض السلايدات  لعمله الخطي لأشعار الشاعر العراقي بلند الحيدر التي اقتنت منها عملين بشكل شخصي، تبعتها كلمة نظيرة التميمي منظمة الأمسية، ثم كلمة الروائي المعروف الطيب صالح، وتوالت الكلمات مشيدة بتاريخ الفنان وعطائه، ومشيدة باعماله التي تعلن عن خلوده وكانت الكلمات للدكتورة خديجة صفوت، السيدة خالدة رحمن، فنان السيرامك محمد عبد الله، د. احمد الشاهي، الفنان التشكيلي أحمد السيد أحمد الحسن، د. عبد الماجد محمد عبد الماجد،السيد حسن غزالي وابن الفنان محمد عثمان وقيع الله .

 كلمات قيلت في الأمسية

وداعاً يا شيخ ألخطاطين
نظيرة ألتميمي

شاءت الظروف أن يغادر الأُستاذ عثمان وقيع الله أُخوته وأصدقاءه، رفاق الغربة من دون وداع . هذا الفنان صاحب الخطى الثابتة والذي أحدث ضجة محبة وعطاء كبيرين ومَدَنا بتراث فني إنساني هائل، غادر بصمت... وما هذا التجمع إلّا بادرة لكسر طوق ذلك الصمت . لمستُ تجاوبا كبيرا من محبي عثمان وعمله الفنيِِ، ولكن لصغر المكان لم نعتمد ألأعلان عن دعوة مفتوحة .

كان لقائي الأول بعثمان وقيع الله، حين دعوته للمشاركة في معرض التراث العربي والأسلامي الأول، والذي كنت أنوي تنظيمه لفنانين عدة من الدول العربية ـ  وهو أيضاً أول لقاء لي بفنان سوداني . طرقت بابَه في Wimbledon، ففتح لي الباب رجل طويل القامة، ذو وجهٍ سمحٍ . كان بيته الذي يضم استوديو العمل دافئاً . وأول ما لفت نظري بعد جلوسي على كرسي خشبي متواضع فسائل نخيل في طور النمو، تزين حافة الشباك . قلت : أنها لجميلة يا أُستاذعثمان. أجاب : هذا نوى تمر كنت قد جمعته في السودان . أزرعه لأستمتع بنموه، وليوفر لي مناخاً سودانياً أنا بحاجة له كي أبدع .

قلت : بصراحة لا ميزانية هناك لهذا ألمشروع ولا مردود مادي ... يعني حماس شباب . كان وقع كلماتي على أذني أستاذي وقع ألسحر.. فغادر مكانه و اختفى بين عشرات اللوحات، وماهي إلّا دقائق حتى عاد وهو يحمل أربعة منها . ثم كتب على ورقة بيضاء أسماء لبعض ألفنانين ألسودانيين وطلب مني دعوتهم للمشاركة... كان سخياً، طيب الخلق، راقي الحديث ولم أترك داره إلّا وهو يرافقني إلى محطة قطار Raynes Park حاملاً لوحاته تحت أبطيه، مودعني إياها من دون عقد أو شروط تأمين قائلا " على بركة الله " . وفعلا على بركة الله هز ألمعرض ألوسط ألثقافي وألفني بلندن، وكتَبَتْ عنه ألصحف ألعربية "إنه ألمعرض ألذي كسر جليد ألغربة في بريطانيا" .

كان عثمان" يرحمه الله برحمته ألواسعة " يعمل داخل بيئة Wimbledon ألصغيرة وضواحيها حيث تتقاطر ألنساء إلى بيته حاملات صغارهن ليعلمهم الكتابة ألعربية... كان ألصغاريحبونه حباُ جماُ ويدعونه " عمو عثمان " ولا يغادروا داره إلّا بعد أن يكرمهم ألحلوى وألتمر ألذي كان يعشق مذاقه . أما عمله هذا فهو تطوعي ثمنه ألمحبة ورابطة ألوطن ألواحد .

بعدها يمتد أفق عثمان ألى ألساحة أللندنية وباقي ألمدن ألبريطانية، أما ألبيئة ألاوسع عنده فهي خارطة ألعالم كله.. فحين غادر طائر ألسودان هذا مدينته رفاعة كان حاملا كما يقول "مدادي وأوراقي وقلمي " عابراً ألحدود ألجغرافية ليجعل من ألشرق  وألغرب أرضاً يطوعها بالإستفادة من ألممكن وليناغم ألحضارات بحواره . لغة سلام  ووئام ـ ناثراً في ألأفق عطاءً فنياً إنسانياً هائلاً .
وداعاً ياأستاذ عثمان ....أيها ألنبيل ألتقي
وداعاً يا شيخ ألخطاطين

الروائي ألكبير ألطيب صالح

كان عثمان وقيع الله  رحمه الله من رواد ألفن في ألسودان . كان من ألفوج ألأول ألذين أبتعثتهم حكومة ألسودان لنيل شهادات عليا، بعد أن أكملوا دراستهم في ألخرطوم . كانت بعثاتهم إلى لندن في أربعيننات ألقرن ألماضي . وقد كان موهوباً موهبة واضحة في كلية غوردن في ألخرطوم . عاد إلى ألسودان وأصبح أحد ألمؤسسين لمعهد ألفنون ألجميلة في ألخرطوم، وهو معهد سرعان ما صارت له شهرة واسعة، ونشأت فيه ما عرفت بمدرسة ألخرطوم للفنون ألجميلة . وكان من تلاميذ عثمان في ذلك ألمعهد ألفنان ألعالمي ألمشهور إبراهيم ألصلحي .

كان عثمان موهوباً في ألرسم وشتى أنواع ألفنون، ولكنه منذ ألبداية آثر ألتخصص في ألخط ألعربي فصار أحد ألمبرزين فيه . وقد نقل ألمصحف ألشريف كاملاً بخط يده ثلاث مرات. وكان من ألأوائل أللذين أعتبروا ألخط قيمة جمالية في حد ذاته وليس مجرد حرف من حروف ألأبجدية. وقد أستغل عثمان ألحرف ألعربي في لوحات فائقة ألجمال.

كان عثمان رحمه ألله بالأضافة إلى ذلك، مهتماً بالشعر العاميّ، وقد حفظ منه قدراً كبيراً، وألف قصائد بالعامية السودانية، وكان صوته جميلاً .

وقد ترجم عثمان رحمه ألله، رباعيات عمر الخيّام شعراً الى العامية السودانية . كان أيضاً شاعراً مُجيدا ًباللّغة الفصحى، وكانت له طريقة مؤثرة جّداً في إلقاء ألشعر، سواء بالعامية أو ألفصحى .

رحمه ألله رحمة واسعة. كان انساناً ذا مواهب متعدّدة، وكان حسن المعشر حاضر البديهه، حافظاً، راوية، واسع المعرفة . وقد خسر السودان والعالم العربي برحيله خسارة عظيمة لا تعّوض .

 عثمان وقيع الله في سطور

ولد وقيع الله في مدينة رفاعة، التي تقع في وسط السودان على ضفاف النيل عام1926 م، تخرج من كلية كوردن للفنون الجميلة في الخرطوم وحصل على منحة دراسية فانتقل الى انكلترا ليدرس في مدرسة كامبرويل للفنون والحرف اليدوية في عام 1946-1949م  . لقد انجذب للخط العربي فذهب إلى مصر، وتتلمذ على يد الأستاذ سيد محمد ابراهيم في الخط العربي، وفي عام 1951م حصل على الإجازة في الخط، ثم عاد إلى السودان ليََُدرس في كلية الفنون الجميلة  التي كان هو أحد مؤسسيها . في عام 1952م اسس استوديو عثمان كملتقى للفنانين والمثقفين في السودان . في عام 1967م عاد إلى إنكلترا حيث أقام فيها العديد من المعارض . كان شاعراً وإعلامياً من الطراز الأول وعمل في هيئة الإذاعة البريطانية في القسم العربي، وعمل خبراً للخط العربي في شركة توماس لارو،  المتخصصة في سك العملات النقية والورقية، وكانت له قدرة فائقة على الجمع بين أُصول الخط التقليدية والإتجاه  الحديث . توفى الفنان الكبير عثمان وقيع الله  في اليوم الرابع من شهر يوليو ( كانون الثاني ) عام 2007 بعد أن عاد إلى السودان، وأُصيب بمرض الملاريا،عن عمر 81عام .

من اعماله

وضع اول تصميم خطي للعملة السودانية .
قام بوضع تصميم المهرجان الإسلامي في بريطانية .
معرض جوال بعنوان القصص السبعة المكرس للفن الأفريقي .
معرض بعنوان الكتابة العربية، في المتحف البريطاني . اعمال فنية صاغ فيها اشعار الشاعر السوداني التيجاني البشير والشاعر العراقي بلند الحيدري .
نقل المصحف الشريف بخط يده ثلاث مرات .

نشرت الموضوع في معكم عام 2007، أُعيد نشره في باب إبداع، وممكن الإطلاع على بعض أعمال الفنان في المتحف الوطني للفن الإفريقي في واشنطن دي سي، وفي المتحف البريطاني، أما مجموعة أعماله الأكبر فهي في السودان .

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
© 2020 جميع حقوق الطبع محفوظة © 2020 Copyright, All Rights Reserved