الفعل والمعنى والوعي

2020-12-04

1

 الحياةُ الإجتماعية المُتذبذبة بين اليقين والشَّك، هي نِتاجٌ طبيعي لِعَجْزِ الإنسان عن إيجاد ذاته في زَحمة الأحداث والمشاعر، وإخفاقِه في اكتشاف صَوته الخاص في ضجيج الأصوات المُشتَّتة والشِّعارات الرَّنانة، ونتيجةٌ مُتوقَّعة لانفصالِ الفِعل الإجتماعي عن المعنى الحضاري، وغِيابِ الوَعْي الجَمْعي عَن التفاصيل اليومية المُعاشة . وهذه الإشكالياتُ الخطيرة ساهمت في حِصار الإنسان ضِمن دائرة اجتماعية مُغلَقة، بحيث صار معزولًا عن التأثُّر بالأحداث، وعاجزًا عن التأثيرِ فِيها . وهذا يعني أنَّه صارَ مُتفرِّجًا على الأحداث المصيرية التي تمسُّ حياتَه وتُهدِّد وُجودَه، دُون أيَّة قُدرة على المُشاركة في صُنع جَوهر الأحداث وصِياغة تفاصيلها . لقد قَبِلَ بلعب دَور الضَّحية، ولم يعد قرارُه في يده، وارتدى قِناعَ الصَّمْت الذي يُريحه ظاهريًّا، ويُسعِده مُؤقَّتًا، وهذه الرَّاحةُ خادعة لأنها تُشبِه راحة الفريسة قبل اصطيادها، وهذه السِّعادةُ وهمية لأنها تُشبِه سعادةَ الحَالِم قبل أن يَستيقظ مِن نَومه، ويجد نَفْسَه أمام كابوس الواقع .

2

القُدرةُ الإنسانية على صناعة الحُلْم الإجتماعي لا تقوم بذاتها . إنها تحتاج إلى عناصر إسناد للحُلْم والحَالِم معًا، كالعَقْل الجَمْعي الذي يحتاج إلى عضلات لتنفيذ أفكاره الإبداعية وخُطَطه الطموحة، وإخراجها مِن الخَيَال غَير المحسوس إلى حَيِّز الواقع المحسوس، أي : إخراجها مِن الفضاء الذهني غَير المَحدود إلى أرض الواقع المُسَيْطَر عَلَيه، والمُضاد للهُلامية والعبثية . وعمليةُ الإنطلاق يجب أن تكون مَحسوبة بِدِقَّة، بعيدًا عن الفَوضى والأفعال الإرتجالية والحَمَاسة المُفرِطة . والسيطرةُ على أرض الواقع لا تَكون باستخدام القَبضة الحديدية والأدوات القَمعية والقوانين البُوليسية، وإنَّما تَكون بالقُوَّة الناعمة التي تتشكَّل مِن الأفكار الإبداعية والتطبيقات العملية، بحيث يُصبح الواقعُ جِسْمًا مُتماسكًا يُوازن بين الظواهر الإجتماعية والمشاعر الإنسانية ، وكِيانًا إبداعيًّا يُشارك الجميعُ في تَكوينه والحِفاظ عَلَيه، بعيدًا عن وِصَاية السياسة على الثقافة، واستغلال القويِّ للضعيف . إنَّ الواقع القادر على احتضان الزمان والمكان والأحلام الواعية، يُشبِه القصيدةَ الجَمْعيةَ التي تشترك الجماهيرُ في كِتابتها معَ الشاعر، بحيث تُصبح القصيدةُ تعبيرًا عن شرعية الوُجود الإنساني بأكمله، وأملًا مَشروعًا في تحرُّر الوَعْي مِن الوَهْم، وتَحرير الجماهير مِن ضغط الإستهلاكية المادية .

3

عندما يجد الإنسانُ نَفْسَه الحقيقية، ويَرى وَجْهَه في مرايا المجتمع بلا أقنعة، سيجد صَوْتَه الخاص الذي يُعبِّر عن مشاعره الكامنة في أعماقه الداخلية بدون ضَغط خارجي، ويُصبح صَوْتَ مَن لا صَوْتَ له . وهذا يعني أنَّ الإنسان صارَ فاعلًا في المجتمع ، وقادرًا على صِناعة الفِعل الإجتماعي الذي يُحوِّل القُبْحَ إلى جَمَال، والفَوضى إلى نِظَام، والتَّشَتُّت إلى وَحْدة، والضَّياع إلى وُجود . وهذه العناصرُ مُجتمعةً تَجعل للفِعل الإجتماعي مَعْنًى حضاريًّا، ووَعْيًا إبداعيًّا . وهكذا يتشكَّل الجوهر الحقيقي للمجتمع الطامح إلى تغيير الواقع، والإنطلاق إلى المُستقبل، بدُون غرق في الماضي، ولا انكماش في الحاضر، ولا خَوف مِن المستقبل . وأساسُ هذا الجَوهر عِبارة عن مُثلَّث مُتساوي الأضلاع ( الفِعل، المَعنى، الوَعْي ) . وبشكل عام، إنَّ المُجتمع الحَيَّ يَعتمد على الجَوهر ( القُوَّة الدافعة )، وهذا الجَوهر يَعتمد على قاعدة ثُلاثية لا يُمكن تقسيمها ولا تفكيكها : 1_ الفِعل الإجتماعي العقلاني الذي يُميِّز بين نِقاط القُوَّة ونِقاط الضعف . 2_ المعنى الحضاري الذي يَحرِص على أن يكون الحُلْم إنسانيًّا، وضرورة تطبيقه بالوسائل المشروعة، بدُون توحُّش استهلاكي، أوْ بناء السعادة الوهمية على تعاسة الآخرين. 3_ الوَعْي المُستندُ إلى الحياة الحقيقية لا المُتَخَيَّلَة، والمُعْتَمِدُ على التاريخ الذي حَدَثَ على أرض الواقع، ولَيس التاريخ المُتَصَوَّر في الأذهان، أو الذي نتمنَّى حُدُوثَه . وهذا الوَعْيُ مِثل الطبيب الذي يُخبِر المريضَ بمَرَضه، كَي يَدفعه إلى مُقاومته، وليس الإستسلام له . ولا يُمكن للوَعْي أن يُصبح فَعَّالًا في الأنساق الإجتماعية، ومُؤَثِّرًا في المشاعر الإنسانية، إلّا إذا حدَّد العلاقات الوجودية المركزية التي لا تخضع للإطار الزماني والحَيِّز المكاني، وهي : العلاقةُ بين الإنسان ونَفْسِه، والعلاقةُ بين الإنسان وأخيه الإنسان، والعلاقةُ بين الإنسان والطبيعة . وكُل وَعْي لا يَكون تجسيدًا للحُلْم الإنساني كاملًا، هو وَعْي وَهْمِي مُخَادِع، لا يُعوَّل عَلَيه، والمبادئُ لا تتجزَّأ، ونِصْفُ العِلْم أخطر مِن الجهل .

 

إبراهيم أبو عواد

كاتب من الأردن

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2024 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2024 Copyright, All Rights Reserved