الحب سيبقى والصداقة سترسخ  ياكوفيد/19

2020-07-27

" من إحداثيات الكورونا  "

لفت نظري أثناء فترة الحظر الصحي الذي فُرض علينا الشهور الماضية وما زال حتى الآن  بسبب فيروس / كوفيد 19 خبرٌ أذاعته أكثر من قناة تلفزيونية ألمانية قبل بضعة أيام في نشرة أخبارها تحت عنوان : " الكورونا لا تقف في وجه الحب " .

 أوردت فيه تلك القنوات خبرا مصوّرا عن سيدة ألمانية كبيرة بالسن، تلتقي بحبيبها السويسري، المريض والطاعن في السن أيضا عند نقطة الحدود التي أغلقت بين البلدين بسورٍ هو عبارة عن شبكة معدنية عالية؛ إذ تجلس السيدة عند آخر خطوة من حدود بلادها ويجلس الرجل عند آخر نقطة من حدود بلاده أيضا، يضع كل منهما طاولة صغيرة متحركة أمامه، فوقها كأس زجاجية، كما شاهدت كأسا أخرى ممتلئة؛ أظنها جعةً أو نوعا من العصائر على طاولة الرجل، وقليلا من المقرمشات والأطعمة البسيطة .. يبقيان هناك على هذه الحال طوال بعد الظهر ولا يهتمان بالأجواء بردت ام سخنت ولا الرياح هبّت ام سكنت يتقابلان في العراء حتى تغيب الشمس، يرويان القصص والأخبار ويتسليان معاً في أحاديث تبدو شيقة أحسستها من خلال طلعتهما المبتسمة وإشراقة وجهيهما والسعادة الظاهرة عليهما في اللقاء .

الخبر بحدّ ذاته لطيف وطريف وملفت حقاً فقد تحديا الحجر وعزما أن يلتقيا مهما كلّف الامر حياتهما، ولم يعبآ بالمخاطر التي أحدثها هذا الكوفيد الأحمق .

المتحابان تجاوزا الثمانين من عمرهما، ومع هذا بقيت شعلة الحب متقدة لا تخبو في قلبيهما، ولم تمنعهما الحدود المغلقة من اللقاء اذ خاطرا بحياتهما ليلتئم شملهما حديثاً ورؤيا بلا اقتران جسدي مع وجود الحاجز .

 ففي دراسة ألمانية حديثة قرأتها منذ فترة تؤكد أن الحب لا يعرف عمرا طال أم قصر، إنه يتحدّى مراحل الإنسان الزمنية؛ ليس هذا  فحسب، وإنما ثبت أيضا أن الحب مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالصداقة، وإلاّ فأنه محال أن يدوم بلا علاقات صداقية ترمم المحبة وتبلسمها لو توعكت قليلا . وبدون الصداقة الصدوقة في العلاقة بين إثنين لن يدوم الحب أكثر من بضع سنوات، إذ يجب على المُحّب أن يكون قادرا على أن يشارك حميمه جميع اهتماماته وأفكاره، كما لو أنه يشاركها مع أفضل أصدقائه، وبهذا المنحى يكون الحبيب عادة " الصديق المفضّل " .

هذا عن صفة الحب عند كبار السن، ولكن هل يحب الأطفال ؟

أجابت الدراسة بنعم . فكما أن الطفل يحب والديه، فأنه يحب صديقه أو صديقته ويتعلق بها .

وهذا ما نلحظه في المدارس عندما يرجو طفل من المعلمة أن يجلس قرب فلان من التلاميذ أو فلانة .. يلعبان معا، يتحادثان بعفوية، أو يقدم شيئا من فطوره لها ويستعير كراسته، وقد يعانقها ويقبلها وبالعكس .

حتى اليوم لا نعرف كل قدرات دماغ البشر على التحكّم بمشاعرنا، ولا شك أننا سنكتشف يوما بعد آخر أن الحب هو مُحرّك هذه الحياة وجوهرها، وأنه يولد معنا ولا يموت حتى بعد موتنا، وقصة روميو وجولييت أو قيس وليلى وشيرين وفرهاد خير مثال على ذلك فهذه القصص تبقى خالدة وتتوارثها الأجيال .

وإذا كان الحب أجمل نعم الله علينا نحن البشر، وإذا كانت الدراسات الحديثة تؤكد قدرة الأطفال على الحب، فمن المؤكد ان الكهول أيضا يستطيعون الإستمرار بالحب مهما تقدموا بالعمر .

فالعمر يجري ويلاحقه  الحب والفرح أينما سرى وحيثما أزفَ، نحن نقرر أن نبقى شبابا في الحب أو أن تموت خلايا قلوبنا وتبهت أرواحنا من دون محبة .

تلك هي الحياة أوصتنا بالحب شيبا وشبانا وفتية، لأن الوصول اليه أيضا يكون بالحب وليس بالحقد والكراهية؛ فالحياة لم تعطنا ولا تعطينا كل ما نحب ولكن من نحبهم يعطوننا كل الحياة .

أؤمن أنه في كل دواخلنا قنديل مليء بزيت المحبة؛ لا يحتاج منّا إلّا إلى شعلة صغيرة ليملأ الدنيا ضياء وبهاء ويفوح عطراً وعبيراً .

فلتضيئوا وتتوضئوا به بالحبّ وتتطهروا بمائه الرائق الدافق ولتلعنوا الظلمة ومطفئي شموع المحبة لتسيروا في طرق الحياة بمرأى كاشف، ولا تعبأوا بعثراتها ومطبّاتها وأخاديدها طالما مصباح المحبة يبقى مشتعلاً في دروب الحياة السالكة والوعرة معاً .

 

 

جواد غلوم

خريج كلية الآداب/جامعة بغداد / قسم اللغة العربية لعام 1974-1975. عمل في التدريس بعد التخرج لغاية العام/1990 وفي الصحافة وهو طالب في الجامعة ونشرت في معظم الصحف والمجلات وقتذاك. سافر إلى خارج العراق بسبب الاضطهاد وظروف الحصار وعمل خلالها أستاذا في الأدب العربي/ ليبيا. عاد للعراق سنة/2004 وينشر في العديد من الصحف الورقية والالكترونية. ولديه اربع مجموعات شعرية مطبوعة وكتابان بعنوان / مذكرات مثقف عراقي أوان الحصار، و قطاف من شجرتَي الادب والفن وهي مقالات في النقد الادبي .

jawadghalom@yahoo.com

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2024 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2024 Copyright, All Rights Reserved