المرأة والتبوريدة ( الفروسية ) المغربية

2020-11-20

ي

( مداخلة معدة للّقاء الإفتراضي الذي سيعقد في 26 11 2020 )

فن التبوريدة تراث مغربي أصيل تتوارثته الأجيال، يرجع إلى القرن الخامس عشر، له دلالة إجتماعية وتاريخية،  وقد ظل لقرون عدة حكراً على الرجل ولم تلجه المرأة المغربية إلّا في بداية القرن الواحد والعشرين .

جزء من التراث المغربي ذو طابع ذكوري

فن التبوريدة هو رمز تاريخي وطقوس احتفالية تنظم في كل جهات المغرب وخصوصا في البوادي، تشكل رمزا للقوة والشجاعة واحتفاء بالبندقية والفرس، تستحضر فيها القبائل ماضي أسلافها البطولي عندما دافعت عن شرف القبيلة أمام الطامعين والغزاة فهو إذن تذكير بتاريخ الجهاد في المغرب .

وترتبط التبوريدة بحب الرجل المغربي وشغفه بالفرس لجمال هذا المخلوق الرائع وبهائه الساحر الذي يؤسر الوجدان، ولما له كذلك من مكانة متميزة في الثقافة العربية الإسلامية، إذ قالت فيه العرب :

" ثلاثة من نعم الله : زوجة صالحة، وحصان أصيل، وسيف بتار" ونظراً كذلك لمنافعه في السلم والحرب : فقد استعمل كوسيلة للتنقل، وحمل الأثقال، وجر العربات، وفي بعض الأنــــشطة الـــزراعــية .... أو في الحروب و المعارك، فعــلى ظهـــور الخــيول تمت حروب ضروس في المغرب، و توسعات و تأسيس دول وإمبراطوريات  "فالفتوحات في الأرض مكتوبة  بدماء الخيول" كما قال فيها أحد الشعراء . كما أنها رمز أساسي في فن التبوريدة .

تنظم التبوريدة في مناسبات عديدة : إما عائلية كالأعراس، والختان ... أو في أعياد دينية كعيد المولد النبوي والمواسم والأعياد الوطنية والمهرجانات .

ويرتكز فن التبوريدة على عدة مكونات أساسية :

  • فرس أصيل من فصيلة الخيول العربية- البربرية لما لها من خصائص بدنية وجمالية متميزة، يتطلب امتلاكها والعناية بها تكاليف مادية كبيرة لذلك اقتناؤها ليس في إمكانية عامة الناس .
  • وكذلك فارس بارع ذو كفاءة واحترافية في ركوب الخيل وترويضها على دخول "المعرك" والسير في انسجام مع باقي الخيول، وفي العناية بها من غسل وعلف وتطبيب لحفاظ الفرس على لياقته البدنية وقدرته التنافسية .

ومن تم تتكون بين الفارس والفرس علاقة انسجام قوية وعشق ومعزة كبيرة .

  • وتشكل البندقية والبارود عناصر أخري أساسية في التبوريدة إذ ينتهي العرض بطلقة يجب ان تكون موحدة وتتم في انسجام تام .

تنظم التبوريدة في جو حماسي يكون مصحوبا بالأغاني الشعبية كالعيطة، والطقطوقة الجبلية، وإيقاعات الطبالة والغياطة، بالإضافة إلى النفار والزغاريد...

كل ذلك يعطي في نهاية الإستعراض لوحة فنية راقية، كثيراً ما عبر عنها الرسامون بلوحات جميلة تؤثث أشهر المتاحف في العالم كمتحف اللوفر مثلا .

ولوج المرأة فن التبوريدة حديث

لماذا ظل وجود المرأة المغربية غائبا عن هذا الإنجاز الفني ؟

تأخر دخول المرأة المغربية لعالم التبوريدة لسبب جوهري و أساسي وهو سيادة الثقافة الذكورية في المجتمع المغربي (مثل باقي المجتمعات العربية) الذي يرى أن مهمة المرأة تنحصر في الأعمال المنزلية، و الإنجاب و تربية الأطفال والعناية بالزوج  والأبناء فلا شأن لها بالفرس والفروسية ولا مكان لها ولا يمكن لها أن تتواجد في حلبة وسط الرجال تبرز فيها المهارات القتالية  . 

ثم أن التكاليف المادية التي تتطلبها العناية بالفرس والتداريب المستمرة والصارمة التي تفرضها الإستعدادات للتبوريدة تعد عرقلة أخرى أمام فئة واسعة من النساء لذلك نجد حالياً أغلب الفارسات شابات ليست لهن في الغالب مسؤوليات عائلية .

ونظرا لهذه الظروف، ظلت علاقة المرأة بفن التبوريدة تنحصر في الفرجة والعشق للخيول وإطلاق الزغاريد... وقد يذكرها الفرس بعرسها عندما حملت يوما ما على ظهره إلى بيت زوجها .

ولم تفرض المرأة المغربية وجودها في فن التبوريدة أو الفروسية التقليدية إلّا في السنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين وارتبط ذلك بالتحولات التي طرأت على أوضاع المرأة وتحقيقها عدة مكتسبات حقوقية، توجت بتعديل قوانين الأسرة سنة 2004، بالإضافة إلى ما كانت قد حققته في مجال العمل حيث ارتقت في كل المجالات والمناصب (ولو أنها في ذلك كانت أقل حظا من الرجل) .

وفرضت أيضا وجودها وبرهنت عن مهاراتها في مختلف الرياضات ومنها المرتبطة بالفروسية من سباق الخيول، والقفز على الحواجز، وكذا فن التبوريدة .

حيث ظهرت في المغرب فرق نسوية منذ سنة 2003 استطاعت ان تتحدى كل العراقيل الإجتماعية والطابوهات، وتتخطى حاجز النظرة الإقصائية والدنيوية لها، وتتسلح بقوة عزيمتها لتكسر القاعدة وتثبت وجودها بجدارة واستحقاق في مجال ظل حكراً على الرجل منذ قرون بل أصبحت منافساً ميدانيا له تحصد بدورها الجوائز والميداليات الذهبية .

تتكون كل فرقة نسوية أو "سربة" من عشرة إلى عشرين فارسة تحت مسؤولية  "المقدمة" أو " العلامة" التي تتولى مسؤولية تدريب وتلقين قواعد التبوريدة لباقي الفارسات اللواتي يلتزمن بدورهن بالإنضباط التام لتعليماتها .

وقد حظيت بعض الفارسات في بداية مشوارهن من الدعم، والإرث العائلي في مجال تقاليد التبوريدة وخاصة عندما يكون في العائلة فرسان .

وعمل بعضهن في البداية في سرب الرجال مما مكنهن من إتقان قواعد هذا التراث، وصقل مواهبهن ثم كون بعد ذلك فرقا نسوية منذ 2003-2004 كان من أبرزها فرقة حليمة البحراوي في نواحي المحمدية، وأمل أحمري في جهة الغرب وأخريات...

وتأسست جمعيات وأندية نسوية ساهمت في تطور التبوريدة النسوية في المغرب .

تخضع التبوريدة النسوية لنفس التداريب الصارمة والتحضيرات مثل ما هو سائد في التبوريدة الرجالية، وتحترم نفس طقوس الإستعراض دون المبالاة بالصعوبات .

قبل دخول " المحرك" يجب ان تكون الفارسات على وضوء ويصطفن لقراءة الفاتحة والصلاة الإبراهيمية ويتبادلن التحية ويتسامحن كأنهن يودعن بعضهن البعض وذلك مستمد من روح الجهاد والإستشهاد .

ويكون ترتيب الفارسات في الصف حول " المقدمة" التي تتوسطهن يخضع لمعايير تراعى فيها الأقدمية والكفاءة .

ويرتبط تألق الفرق النسوية في حلبة الإستعراض سواء في " التسليمة " أو التبوريدة باللمسة الأنثوية التي أضفنها لهذا الفن بلباس تقليدي أنيق وموحد، وتأدية كل الطقوس في شكلها اللائق من ركوب خيول أصيلة ليس من السهل التحكم فيها، والإنطلاقة الموحدة، والتحكم في البندقية والبارود .

كل ذلك يجعل التشويق والجاذبية للفرحة قويا، وانبهار المتفرجين أكثر بالعنصر النسوي . فعندما يجتمع جمال الأنثى وبهاء الفرس وزينيته يكتمل التألق والنخوة في أروع صورهما .

إن فن التبوريدة النسوي يعد إحد مظاهر تحرير المرأة، حيث أتاح لها إثبات الذات، وكسب الثقة بالنفس، وأظهرت أنه لا ينقصها شيء من الشجاعة والجرأة والمغامرة .

ورغم ما يعترض التبوريدة النسوية من عراقيل : كالتحرش الجنسي، وضعــف عدد الفارســات، والحوادث التي قد تحدث أثناء الـــتداريب والإستعراض وضعف الإمكانيات المادية لأغلبية الفارسات فإن فن التبوريدة بكل مكوناتها ليس فقط فنا فرجويا لإحضار الذاكرة والماضي البطولي للأسلاف وإنما مدرسة لتمرير قيم أخلاقية وإنسانية منها التضامن، والتسامح، وتعزيز الثقة المتبادلة، واحترام الآخر، وتكريس مبدأ الإجتهاد والعمل الجماعي، وتحسين الذوق .

كما تمكن هذا التراث المغربي في السنوات الأخيرة أن يكون جسرا لنوع من حوار الثقافات والتقاء الحضارات لاهتمام الأجانب به لممارسته مثل قصة تلك المرأة الكندية كلير دوشي التي تخلت عن عملها في هيئة الأمم المتحدة لتتفرغ للتبوريدة المغربية وكذا إنجاز برامج وثائقية حوله من أبرزها الفيلم الوثائقي الذي انجز حول الفروسية النسوية في المغرب 2015 وفازت فيه حليمة البحراوي على جائزة أحسن فيلم وثائقي في أوروبا والعالم العربي .

 

 

 

 

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
© 2020 جميع حقوق الطبع محفوظة © 2020 Copyright, All Rights Reserved