دور القوة الناعمة في بناء المجتمع

2021-04-03

تعبيرُ المجتمع عن هُويته الوجودية وشخصيته المركزية وسُلطته الاإعتبارية وخصائصه الروحية والمادية، يُمثِّل تجسيدًا واقعيًا لشرعية وجود المجتمع باعتباره كِيانًا مُتجانسًا، وكُتلةً مُتماسكة، وتاريخًا مُتجذِّرًا في الزمان، وجُغرافيا راسخةً في المكان . وإذا تكرَّست الشَّرعيةُ الإجتماعية في أنساق الحياة اليومية، تكرَّست مشروعيةُ الأحلام الفردية والجماعية، لأن الأحلام لا تقوم إلّا على قاعدة اجتماعية صُلبة، وكُل بِنية اجتماعية بدون شرعيةٍ ومشروعيةٍ هي مُجرَّد ورقة في مَهَب الريح، ولَيست شجرةً ذات جذور ضاربة في الأعماق . وهذا يُفَسِّر سبب قُدرة بعض المجتمعات على الصمود في مواجهة الأزمات وعلاجها، وانهيار مجتمعات أُخرى أمام الأزمات، وعدم القُدرة على التعامل معها .

وإذا سعى الإنسانُ إلى تحقيق أحلامَه الجامعة بين المنفعة الخاصَّة والمصلحة العامَّة، فإنَّ تحوَّلات جذرية ستطرأ على علاقة الإنسان بنَفْسِه، وعلاقته بمُجتمعه، وهذه التحولات تتمثَّل في تحوُّل شرعية الوجود الإجتماعي إلى مشروعية النهضة والتنمية، وتحوُّل المشاعر الإنسانية الهُلامية إلى أفكار إبداعية منضبطة بقواعد المنهج العِلمي .

ولا يُوجد مستقبل للمجتمع الإنساني إلّا إذا ابتكرَ منظومته الفكرية المُشتملة على القُوَّة الناعمة (الروحية)، ووظَّفها ضِمن الإمكانيات المُتاحة لإحداث نهضة حقيقية لا شعاراتية . وفلسفةُ القُوَّة الناعمة هي تحويل الأنساق الإجتماعية والتصوُّرات الذهنية إلى ظواهر ثقافية وإشارات معرفية ومفاهيم رمزية وتفاعلات لغوية، تستطيع السيطرةَ على الذكريات ( الماضي ) والتحكُّمَ بالأوقات (الحاضر) والهيمنةَ على الأُمْنِيَّات (المُستقبل )، بدون استخدام العُنف والإكراه . وهذا يعني أن القُوَّة الناعمة هي السُّلطة المعنوية المُتجسِّدة في الثقافة والأخلاق والمبادئ . وإذا صارت القُوَّةُ الناعمة ذات حُضور راسخ في المجتمع ( الداخل )، فإنها ستُصبح عُنْصَرَ جَذب ومَحَل إعجاب ومَثَلًا يُحْتَذَى لباقي المجتمعات ( الخارج ) . وهكذا يتحقَّق مفهوم الإختراق بدون استخدام القُوَّة العسكرية، وتتجذَّر القناعات بدون اللجوء إلى القُوَّة المادية . وهذا دليلٌ واضح على أنَّ السيطرةَ على القلوب باستخدام الأفكار أعمقُ أثرًا مِن السَّيطرة على الأجساد باستخدام الأسلحة . وهذا هو الفرقُ الجوهري بين القُوَّة الناعمة التي تخترق النَّفْسَ البشرية بلا إكراه، وبين القُوَّة الخشنة التي تحتل الجسدَ البشري بالإكراه . والسُّلطة الحقيقيةُ هي القُدرةُ على احتلال القُلوب، والسَّيطرةُ على الأرواح، وتغييرُ القناعات الداخلية باستخدام الأدلة والبراهين، وإنشاءُ منظومات اجتماعية جَذَّابة تُؤَدِّي إلى الرضا عن النَّفْس، والتَّطَلُّع إلى مُستقبل مُشرق . وكُل سُلطة حقيقية تَقُود بالضرورة إلى سياسة منطقية تَعتبر السَّيطرةَ تنقيبًا مُتواصلًا في النَّفْس البشرية للوُصول إلى الطهارة القلبية، ولَيس احتلالًا للجسد البشري وإذلالًا له، مِن أجل بناء العروش على عِظَام الضَّحايا . وكُل مجتمع قائم على أحاسيس الضحايا، ومشاعر المظلومين، ستنتشر فيه مفاهيم الثأر والإنتقام والتَّرَبُّص وانتظار اللحظة من أجل الإنقضاض، لأن الدَّم لا يَنام، والماضي لا يَمْضي . ومِن أجل الخروج مِن هذا المأزق الوجودي والمُعضلة الإجتماعية، ينبغي الإستثمار في قلوب الناس، والسَّيطرة عليها بالحُجَج المنطقية والأدلة العقلانية، بعيدًا عن أساليب القهر والقَسوة والإكراه والضغط النَّفْسي . وهذا هو الطريقُ الوحيد للسيطرة على الناس، ودَفْعهم إلى تَبَنِّي القِيَم الإنسانية ونشرها . والقلوبُ هي الحاضنةُ للأنظمة السياسية والمنظومات الإجتماعية، والقادرةُ على الدفاع عنها . وما استقرَّ في القلوب، ثَبَتَ على أرض الواقع، وما رَفَضَته القلوب، سَقَطَ على أرض الواقع .

إبراهيم أبو عواد

كاتب من الأردن

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
© 2021 جميع حقوق الطبع محفوظة © 2021 Copyright, All Rights Reserved