جـان فـيرمير فنان سبق عصره

2021-05-20

 تخطى الأعراف والتقاليد التي كانت سائدةً في عصره والتي  طبعت لوحات معظم مصوري عصره،  سيرة حياته غلفّها الغموض، ولذا فلم يعرف عنه سوى، انه من مواليد ” ديلـفت ” في أكتوبـر ( 1632 م ) . والده كان خياطاً وصاحب فندق، ومن هواياته، اقتناء التحف وصداقة الفنانين، أما جده، فقد كان من كبار مزخرفي العملات.. وبسبب هذا الجو الذي يعشق الفنون، انتسب إلى رابطة رسامي ( سانت ـ لوك )، وأمضى ست سنوات في تعلم الرسم، وفي عام ( 1651 م )، أصبح عضوًا في نقابة الفنانين ثم رئيسًا لها .

في عام 1652 م، تزوج  من ” كاترينا بولنس ” سليلة إحدى أسر ( ديلفت ) العريقة والغنية، وأنجبت له عشرة أطفال، وضمن هذا الجو الصاخب والممتلئ بالحركة، كان يرسم ببطء وبتأني، لذا فان عدد اللوحات التي رسمها طوال حياته، يتراوح ما بين ( 24 ـ 60 ) لوحة، منها ( 35 ) لوحة معروفة وموثقة، وهناك من يقول أن اللوحات التي رسمها لا تتجاوز ألـ (40 ) لوحة، وهذا يعني أن نتاجه لم يتجاوز اللوحتين في العام الواحد .

لوحاته تنبض بالحياة  وتتدفق بالحركة، الموزونة الهادئة،  وتشع بالنور، فلا عنف، ولا سفه، مواضيعه تمثل ( الحياة اليومية العادية في هولندا )، وبشكل خاص ( الشمال الهولندي ) الهادي، فإما فتاة تطرز، أو تقرأ رسالة، أو تعزف على آلة موسيقية، أو تنظر من نافذة.. وهذه الفتاة التي تناولها ” فيرمير ” على مسطحات لوحاته، قد تكون زوجته أو ابنته، أو إحدى قريباته أو خادمته إن لم تكن إحدى جاراته .
 
كان هم الفنان الهولندي ” جان فيرمير “  أن يظهر أجواء بيوت الناس وسعادتهم المنزلية ولعل هذا هو مكمن سحرأعماله  وبهاءها . كان يختار موضوعاته، ويجسدها فوق مسطح لوحاته بإتباعه طريقة متقدمة ورائدة في الرسم حينذاك، حيث كان يتبع في ضربات ريشته اللمسات العريضة، ولم تكن هذه الطريقة معروفة في زمنه، ويبدو أنها كانت السبب في إهماله من قبل معاصريه،  فهذه الطريقة كانت  مبَكّرة على مدارك معاصريه .
 
صورة 4

فى عام ( 1672 م ) قامت جيوش ” لويس الرابع عشر “، بغزو هولندا، وقد كان هذا العام ماساوياً بالنسبة لشعب هولندا ولفيرمير، فقد حل الدمار بهم، ولم يعد عندهم ما يبيعونه، حتى لوحات فيرمير لم تجد من يشتريها، فساءت أحوال ” فيرمير ” الإقتصادية، وأصبحت ظروف حياته صعبة وعسيرة وشاقة، ولم يعد لديه أي مورد رزق، وتراكمت عليه الديون، وأصيب بالإنهيار، إلى درجة أنه فارق الحياة بعد يوم ونصف في كانون الأول/ ديسمبر ( 1675 م )، عن عمر يناهز ( 43 ) عامًا . وعقب موته، حصل الخباز على لوحتين من لوحات فيرمير مقابل الديون وهما : ( السيدة والخادمة ) و ( امرأة تعزف على قيثارة )، وكل منها تساوى اليوم أكثر من ( 100 ) مليون دولار .

صورة 3

بعد موته أسدل الستار عليه وعلى آثاره ورسومه وتعرض للنسيان زمنًا طويلا، قارب ألمائتي عام، ولم يتحدث عن قيمتها وأهميتها أي من النقاد والمؤرخين القدامى، حتى قال بعضهم عنه : إنه لم يكن شيئًا يهم الفن إطلاقاً، إلى أن اكتشفت الحقيقة على يد الفنان البريطاني ” السير رينولد “، أول رئيس للأكاديمية البريطانية، عندما زار هولندا في أواسط القرن الثامن عشر، فسنحت له فرصة مشاهدة أعمال ” فيرمير ” ودراستها بإمعان، فكشف عن جواهر أعماله المكنونة المهملة، ثم أعلن على الملأ أن أعمال” فيرمير ” لا تقل قدراً ولا تنقص إجادة وروعة عن أعظم فناني القرن السابع عشر عمومًا، بل قد تفوق على الكثير منهم وأنه يعد أحد عباقرة الفن التاريخ .

ومن العجيب أن لوحة ( فتاة تصب الحليب ) التي لم تعجب ” مونكيز “، والتي قال عنها أنها لا تساوي سوى ملاليم، هي التي حظيت بإعجاب فنان بريطانيا ” رينولد ” وقال عنها : ” إنها أحسن ما رأيت من أعمال فيرمير الرائعة !

 

أهم ما ميز أسلوبه الفريد بالرسم، هو مراعاة النسب التشريحية، كما اهتم بالدقة في إبراز التفاصيل سواء في الوجه أوفي الجسد،  أو في الملابس من حيث شكلها كنموذج لطراز تلك الأيام في الشمال الهولندي، أو في الدقة في تصوير ثنايا القماش، أو الأدوات المستخدمة في المطبخ . وكان مهتماً  بإبراز التنوع في ملامس العناصر المختلفة على مسطح لوحته، ليعطي الإحساس بها، كالجدران والأواني الفخارية والمعدنية والسلال المصنوعة من الخيزران والخبز والبشرة والجسد .

ويتسم تكوين لوحته وبنائها بشكل عام بالرصانة، ومراعاة قواعد الإتزان بين الكتلة والفراغ المحيط بها .

عالية كريم

رئيسة تحرير "معكم"

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
© 2021 جميع حقوق الطبع محفوظة © 2021 Copyright, All Rights Reserved