حقوق الانسان في فلسطين

2020-02-13
إن التعبير عن مفهوم حقوق الإنسان يعني أن يعيش الإنسان حياته دون خوف أو ظلم أو قمع أو إهانة، وهذا ما يجب أن يعزز في كافة المجتمعات على حد سواء رغم اختلاف الثقافات والعادات وعمليات التفكير التي تسود كل منها، إنما أصبح هذا المفهوم يشكل هاجساً لبعض الأنظمة الحاكمة والدول التي تتغنى بهذه الحقوق نتيجة سياساتها الخاطئة، لا سيما أننا نتحدث عن مجتمعِ وشعبِ يفتقد لأدنى حقوقه المشروعة سواء على صعيد الداخل أو الخارج . ولهذا المفهوم أثاره الإيجابية في حال توفرت مساحة لممارستها كون أننا نتحدث عن حالة كالمجتمع الفلسطيني الذي لا يخلو من الأزمات المتواصلة، فما أحوجنا إلى توفير أفكار ونوايا إيجابية تعزز من هذه القيمة والتي تساهم في بناء مجتمع مدني على أسس ديموقراطية تتحقق فيه العدالة والحرية وسائر الحقوق الأخرى، وذلك وفقاً للوثيقة الحقوقية الدولية التي صدرت 1948 الإعلان العالمي لحقوق الانسان .

منذ أن أُحتل الشعب الفلسطيني من قبل إسرائيل وهو يعاني الويلات والنكبات نتيجة حالة عدم التزامها وإيفائها بكافة الحقوق التي تكفلها المواثيق والقرارات الدولية باعتباره شعبا يعيش تحت الإحتلال، وذلك بدءً من اقتلاعه من أرضه عام 1948 وتهجيره، إلى عمليات الإعتقال المستمرة، والاستهداف المباشر للمدنيين، وصولاً إلى الحصار الإسرائيلي المستمر من إغلاق معابر ومنع المرضى من العلاج إلى ما آلات إليه الظروف في واقعنا الحالي الذي نعيشه، حيث مثلت هذه الممارسات الإسرائيلية انتهاك صارخ على حقوق الإنسان الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف .

تختلف أشكال الإنتهاكات التي يتعرض لها الفلسطيني، فحسب الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني - حشد في تقريرها لعام 2019 أظهرت أن استهداف المدنيين في مسيرات العودة السلمية (جرائم حرب) أدى لاستشهاد 35 متظاهر، ما رفع حصيلة الضحايا إلى (216) قتيلا منهم (47) طفلاً، وامرأتان، و(9) من ذوي الإعاقة، و(4) مسعفين، وصحفيان، أما الإصابات فارتفعت إلى (14810) مصابًا، منهم (3699) طفلاً، و(389) امرأة، و(255) مسعفًا و(219) صحفيًّا، إضافة إلى الهجمات الحربية على قطاع غزة التي انتهت بتاريخ 12 نوفمبر والتي أسفرت عن استشهاد (36) مواطناً وإصابة العشرات، وتدمير المنازل والعمارات السكنية . وأشارت الهيئة إلى أن عدد الشهداء الفلسطينيين بلغ خلال العام المنصرم 142 شهيدًا/ة، منهم 5 معتقلين استشهدوا في سجون الإحتلال الإسرائيلي على يد قواتهم، باستثناء إثنين قتلهم المستوطنون، والإعدامات الميدانية اليومية في القدس والضفة الغربية التي راح ضحيتها 17 فلسطيني واحتجاز بعض جثامينهم .

حيث أن الملامح والظواهر خلال عام 2019 ظهرت بأبشع صورها من خلال ما يفعله الإحتلال أولاً، وما يتعرض له المواطن من قبل الحاكم الفلسطيني ثانياً، كما أصبحت علاقة الحاكم بالمحكوم هي من تحدد الحقوق والواجبات، وهذا يأتي منافياً لمفهوم حقوق الإنسان الذي يُنشد في كل موطن يكون خالي من أي انتهاك او اعتداء على واقع الحقوق الفردية أو الجماعية .

عام 2019 أكدت أن قوات الإحتلال الإسرائيلي تقوم بفرض عقوبات جماعية على الشعب الفلسطيني من خلال ما ذكر لا سيما في القدس من تهويد وإعلانها عاصمة لدولة الإحتلال، والضفة من استيطان واعتقالات ومداهمات، وقطاع غزة من حصار واستهدافات للمدنيين والمباني السكنية وغيرها، لذا ما نراه اليوم يحُتِّم علينا كمشروع وطني تحرري أن يكون لدينا حسن البادرة في تخليص أنفسنا من هذه الشوائب، والسعي نحو بناء مجتمع يؤمن بالحرية والديمقراطية التي تضمن الحقوق الأساسية لكل مواطن، إضافة لمجمل الحقوق الفردية والجماعية . لكن الملاحظ أن الواقع السياسي المنقسم أثَّر وبشكل سلبي كبير على واقع الحياة السياسية والمدنية والإجتماعية من حيث تزايد حالات الإعتقال السياسي في شقي الوطن، والتقييد المستمر للرأي والتجمعات السلمية، وغياب ثقافة الإيمان بالأخر، وتراجع الأوضاع المعيشية، إضافة للإجراءات التي تضرب جوهر البناء الوطني وسير العملية القانونية الدستورية .

والسؤال الجوهري، هل ستبقى الحالة الحقوقية للإنسان الفلسطيني تعيش دور التراجع خلال عام 
2020، وهل بالإمكان تعزيزها ؟ مع تسارع المتغيرات والظروف المحيطة بات واضحاً أين تكمن عملية الحل في إنهاء كافة المظاهر التدميرية التي تعيشها حالة حقوق الإنسان في فلسطين والإسهام في كيفية تمكينها وأخذ دورها الكافي، وهذا كله لن يتم بمعزل عن تحقيق عدة جوانب هامة أبرزها : إنهاء كل أشكال الإنقسام الداخلي واستعادة الوضع القانوني السليم، وتعزيز الدور السياسي للمواطن الفلسطيني بما يخدم حقوقه كافة عبر بوابة المصالحة الفلسطينية، وخلق وعي وطني جامع يعزز من القيم الوجودية للإنسان الفلسطيني وقضاياه التي تتعرض للإنتهاك سواء من طرف الإحتلال أو الأنظمة الفلسطينية الحاكمة، إضافة لإحياء الدور الجماعي في التخلص من الأزمات الموجودة، وإعطاء مؤسسات حقوق الإنسان مساحة كافية للقيام بدورها على أكمل وجه ومنع تعرضها للإنتهاك لتقديم صورة حقيقية عن الواقع .

عودة على انتهاكات الإحتلال، أوضحت الهيئة العقوبات الجماعية التي تبرز من خلال إغلاق المعابر أمام التجار والمرضى الفلسطينيين، حيث حرم قرابة 8000 مريض من السفر لتلقي العلاج اللازم لهم في مشافي خارج القطاع، وتفاقم المعاناة الإنسانية، حيث تعاني قرابة 70%  من الأسر الفلسطينية في قطاع غزة من انعدام الأمن الغذائي، وارتفاع نسبة الفقر إلى 75%، والبطالة إلى 52%، إضافة إلى أزمات المياه والكهرباء والصحة، واعتقال الصيادين والمزارعين وإطلاق النار عليهم . فيما ذكرت أن عام 2019 شهد حملات مداهمة واعتقال بشكل كبير، حيث وصل عدد المعتقلين عشوائياً إلى أكثر من 5500 من المدنيين بالضفة والعشرات في غزة، ويوجد في سجون الإحتلال أكثر من 5 الاف اسير بينهم 900 أسير مريض، كما بلغ توغل الإستيطان الإستعماري في مدن الضفة والقدس المحتلة ما نسبته 45%، إضافة لهدم 180 منزلًا وتهجير 669 شخصًا . حيث أشارت إلى أن حكومة الإحتلال وبدعم أمريكي عملت على استهداف "الأونروا" في إطار سعيها لتصفية وتقويض عمل هذه المنظمة التي تعد بمثابة الشاهد الأخير على نكبة 1948 وما تبعها من مآسي، مشيرة إلى أن قوات الإحتلال ارتكبت  760انتهاكًا بحق الصحفيين، إضافة للإغلاق القسري ومصادرة الممتلكات الصحفية
.

وحول مدى تعاطي المؤسسات الحقوقية والإعلامية والجهات المختصة مع حالة حقوق الإنسان، يتنامى دور تلك المؤسسات في السعي نحو توثيق ونشر هذه الجرائم التي تنتهك الحالة الحقوقية في فلسطين، وهذا ما يتطلب إلى ضرورة تعزيز التنسيق المشترك بين المؤسسات الحقوقية والإعلامية من أجل تكامل الأدوار، إضافة إلى الإطلاع المستمر من قبل الجهات المسؤولة على واقع الحالة والسعي نحو وضع حلول فورية عاجلة من أجل منع تفاقمها وازدياد الحالة تعقيداً نظراً لما نعيشه اليوم من ظروف سياسية معقدة واقتصادية متردية واجتماعية مفككة .

المعروف أن أهمية احترام الحقوق الفردية وحقوق الإنسان ظهرت مع تطور المجتمعات والعلاقات الإجتماعية، والتي على إثرها تشكل هناك رادعاً للأنظمة الحاكمة خاصة منها المستبدة، والتي تعمل على استغلال الإنسان وانتهاك مجمل حقوقه، لذلك هذا يتنافى تماماً مع واقع الحالة الحقوقية التي تعيش التردي في مجتمعنا الفلسطيني والذي بات مهدد نتيجة غياب القانون الذي ينظم سير العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ووفقاً لورقة سياسات عامة بعنوان "سبل انتهاكات الحقوق المدنية والسياسية" هذا يستدعي إلى ضرورة العمل على نشر ثقافة حقوق الإنسان وتوضيح أهميتها، وتفعيل استخدام الآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان، وتفعيل عمل المؤسسات الدستورية في حماية حقوق الإنسان وضمان احترام وتطبيق القواعد والسياسات الناظمة لتعزيز وحماية حقوق الإنسان .

لكن هذا كله، تبقى معالجته مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحق الإنسان الفلسطيني في ممارسة حقه في الإنتخاب والترشح باعتباره مدخلاً قانونياً يمكن من خلاله نشر ثقافة حقوق الإنسان، وتعزيز الصمود الداخلي أمام المشاريع التصفوية التي تهدد وجود الإنسان الفلسطيني وحقوقه المشروعة في ظل استمرار الإنتهاكات الإسرائيلية والتآمر الأمريكي، إضافة للإنقسام الداخلي الذي عطل الحياة بمختلف أشكالها القانونية والسياسية وغيرها، لذلك المطلوب فلسطينياً، تحرك جدي وحازم في إتمام المصالحة الفلسطينية باعتبارها البوابة الآمنة لشعبنا وحفظ حقوقه المشروعة، وانهاء كل أشكال التفرد والهيمنة التي يقودها طرفي الإنقسام والبحث عن سبل الشراكة السياسية التي تدعم الحياة السياسية والحقوقية وتجعلها تسود وفقاً لقانون يخضع له الجميع، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تفي بالمتطلبات الوطنية والإنسانية، والعمل على إعادة الإعتبار لمنظمة التحرير المرجعية والمظلة الوطنية للشعب الفلسطيني في كل مكان بما يوفر نظام سياسي على أسس ديمقراطية توحيدية .
إضافة إلى ذلك أن يتم العمل على صعيد آخر من خلال تفعيل الدبلوماسية الخارجية، والعمل على مخاطبة المؤسسات والمنظمات الدولية للتحرك الفعلي لفضح جرائم الإحتلال الإسرائيلي، والمطالبة بوقف كل أشكال ممارساته العدائية بحق الشعب الفلسطيني من قتل وإعدامات واستيطان وجرائم حرب متواصلة بحق المدنيين، والتأكيد على تطبيق قرارات الشرعية الدولية وعلى رأسها 194 الذي يقضي بحق اللآجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم .
السؤال، كيف يمكن مواجهة صفقة القرن أمام الحالة الصفرية لحقوق الإنسان في فلسطين بعد مرور 13عام من الإنقسام وتفشي عوامل التشظي ؟!

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
© 2020 جميع حقوق الطبع محفوظة © 2020 Copyright, All Rights Reserved