أحلام بقرة"

2008-03-10
" أ//api.maakom.link/uploads/maakom/originals/30716743-ed14-493f-98a1-b50d53f15ca2.jpeg حلام بقرة"

بساطة الحكاية و تعقد التأويل

" الحالم هو الذي لا يجد طريقة الا في ضوء القمر،و الذي كعقاب له، يرى الفجر قبل الآخرين."

( اوسكار وايلد)

تستدعي طبيعة النص الروائي"أحلام بقرة" لمحمد الهرادي قراءة تستنطق النص في ضوء ما يحيل عليه من تأويلات و تصورات، هذه التأويلات و التصورات قد ينفتح عبرها النص على واجهات جديدة تسمح باعادة هيكلته ثانية و ثالثة، لاسيما و أن الرواية، هذا الشكل اللغوي، تتميز بثنائية التشابك و التعقيد في كل مكوناتها من لغة و شخصيات و زمان و مكان و فنية.

و إذا كان العنوان " يمدنا بزاد ثمين لتفكيك النص(...) و يقدم لنا معونة كبرى لضبط انسجام النص وفهم ما غمض منه" فإن عنوان نص الهرادي يتكون من وحدتين او كلمتين: "أحلام" و "بقرة".

الاولى جمع ( بمعنى أن الأمر لا يتعلق بحلم واحد أو حلمين و لكن بأحلام كثيرة) و تستمد اثارتها باسنادها الى الكلمة الثانية من العنوان: "بقرة" حيث تطرد التساؤلات: هل البقرة فعلا تحلم؟ بماذا يمكنها ان تحلم؟ و كيف يكون حلم بقرة؟ إلخ..

و تتعقد بنية العنوان بتجردها من اية قرين ة زمانية او مكانية، فلا نعرف( قبل قراءة الرواية طبعا) هل الامر يتعلق بأحلام ماضية أم حاضرة أو مستقبلية كما لا نعرف ايضا الفضاء المكان لهذه الأحلام.

فالعنوان- الذي يكون عادة سندا حقيقيا لتصور اولي حول النص كما يساهم في تفكيك النص و اعادة بنائه - في رواية أحلام بقرة يكتفي بالتأكيد على ان المحكي يرتبط بالمتخيل و لا يمكن ان يكون شيئا حقيقيا فهو مجرد أحلام، و لكن مهما قيل عن هذه الاحلام فإن لها ارتباط بالواقع باعتبار ان الحلم جزء من النشاط الذهني للحالم، و لانه يبقى " نفقا يمر تحت الحقيقة" كما قال بيير ريفيردي. هذه العلاقة بين الحلم و الحقيقة و بين الواقع و المتخيل هي ما نسعى الى كشفه من خلال هذه القراءة.

ما تحكيه الرواية بسيط و لكنه في نفس الان معقد.

انسان تحول الى بقرة و بدا رحلته لاستكشاف العالم الخارجي بكل لوثاته و تناقضاته، تحكي الرواية عملية التحول: " استيقظت مغمض العينين، خدر لطيف يلف دماغي الاعمى، و أنا ادرك من اكون، دماغ المساعد التقني لا يمكن ان يحيا او بالاحرى أن يديم حياته الا في قوارير المختبر او في حيوان ارقى من الآدمي. و من اكون، و ادركت نتيجة طبيعة الادمية انني احيا في جسد حيوان اخر، جسد كريه امقته، جسد بقرة" ص 8.

هذا التحول هو اولا استلاب لانسانية البطل (محمد) و هو ثانيا اهانة لكرامة انسان يمكن اعتباره متميزا ( مساعد تقني). و لكن لماذا هذا التحول الى بقرة بالضبط دون غيرها؟ تقدم الرواية تعليلاتها المتمثلة في قرب البقرة من الانسان و لرقيها و " الاهم من ذلك ان البقر اشهر حيوان في اليهودية" ص8.

فالرواية بتعليلاتها هاته تحاول ايهامنا بان البقرة هي الحيوان الانسب لدماغ محمد الا اننا قد نشك في حيادية و براءة هذه التعليقات ما دامت تعليلات مقدمة من طرف الدكتور الذي هو بشكل او باخر يمارس سلطته على محمد، و هكذا فان اختيار البقرة قد يكون له ارتباط بالحيوانية ما دامت الانسانية استلبت من جهة ، كما ان له ارتباطا بالاستغلال و ممارسة نوع من السلطة و الدليل على ذلك ان البطل بعد عملية التحول غير راض عن هذا الجسم الذي يحتضن دماغه " جسد كريه امقته" ص 8. فحرية محمد الانسان اذن مغيبة و مقصاة، هذا التغييب أو الاقصاء و ان كان بسبب من بيدهم مصير محمد (الدكتور خاصة) فإنه يكتسب عمقه حين يتضح ان للبطل يدا فيه. فقد تنازل عن كل شيء ( انسانيته، كرامته، حريته، مطامحه) مقابل شىء واحد هو الحياة " أهملت كل شيء(...) من أجل ماذا؟ نعم.. من أجل أن أصير مخلوقا بشريا حقيقيا" ص9 و لكنه للأسف لم يصر مخلوقا بشريا حقيقيا و لكنه صار مخلوقا فقط، صار بقرة..

محمد الانسان - البقرة معادل لمحمد البقرة- الانسان، لاشيء يهم عدا الحياة و الاستمرارية، كل التسميات و الالقاب زائدة و محتملة بخصوص التحول نلاحظ اذن:

1.ان محمد اجبر على التحول و لم يختره.

2. ان محمدا تحول بواسطة مساعد او محول.

3. أن محمدا لم يختر الحيوان الذي تحول إليه.

هكذا يكون محمد محكوما في كل مراحل حياته. قبل فترة التحول ( مساعد تقني متنازل عن ابسط حقوقه) و بعد التحول( فظاظة الاعمى و استغلال طير بكر- احتيال موسى و عيسى- سخرية الناس- التسول بواسطة محمد/البقرة..الخ).

فمحمد الذي يظل يحلم بالحياة بمعناها الاخلاقي السامي حيث كرامة الانسان توضع فوق كل الاعتبارات، لم يكن نصيبه من هذا الحلم و هذه الحياة الا التنفس.

· فبل التحول: التنازلات و تضييع الفرص.

· بعد التحول: الاستلاب و الاستغلال.

· النهاية الحتمية: الموت، و قد يكون هذا الموت بواسطة الذبح كتعبير عن اقصى درجات العنف الممارس على محمد.

ان الانسان في مجتمع كمجتمع محمد البطل لا يرتاح امثال الدكتور الا اذا بقروه و نصبوا له قرنين.

فهمهم الوحيد هو خفض هذا الانسان الى مجرد تابع لا يفهم، و اذا فهم لا يناقش، و انما يظل مترددا تائها محتارا " عندما تبقرت اختلط الامر علي، هل ينفع سلوكي مع البشر ام مع البقر؟ ادركت الا شيء يفرق بينهما سوى حرف واحد" ص8.

هذا الحرف الواحد (ب ش ر) ( ب ق ر) هو دماغ محمد الذي لا يزال نابضا بالحياة و الذي ينعم بقوة التمييز، و الذي من جهة ثالثة يمنح للانسان فرصة التفرد و التميز عن الحيوانات من جانب و عن البقر من بني ادم من جانب اخر" كل هذا اللحم الذي تحمله يا محمد مجرد خراء، رأسك هو كل شيء"ص12.

ان البقرة التي تحول اليها محمد هي بقرة من نوع خاص، فهي ليست بقرة هندية مقدسة و لا بقرة هولندية مراعاة محترمة.. و لكنها بقرة تنتمي الى مجتمع محمد، بقرة بكل ما تحمله الكلمة من معاني البلادة و الغباوة و الدونية و الاستغلال، و من أجل ضبط هذه الحقيقة و حتى لا يعتقد محمد انه شيء اخر غير بقرة بالرغم من دماغه النابض بالحياة ظل الدكتور يوصيه "كن حذرا يا محمد، انت رومانتيكي، و لذلك ستتعب حين تصير بقرة، ستحرمك قوة الاشياء صحة اليقين، و ستدعو لنفسك بالموت، لانك ستصير معدما، سنحرمك لذة الاحساس بالانتماء، لن يصير لك رأي او عاطفة. سنقنعك لتبقى دونيا في خدمتنا، انت بقرة، و لذلك لن تقرأ الكتب و لن تستمتع بالموسيقى او بفراش دافىء. سنسكنك مزبلة و لن تصير موضوعا لنا الا حين نقطع اجزاءك بالشوكة و السكين، سنشرب امامك و نلاعب النساء، دون ان يكون لك حق التعليق، اننا نحكم البلاد و انت واحد من متعنا" ص29. فالتبقير اذن، له مفهومه الخاص عند امثال الدكتور، فهو يجمع بين العدمية و اللاإنتماء و اللارأي و اللاإحساس و الدونية و اللاوعي و اللاذوق و التهميش و الاستغلال. الانسان - البقرة:

- العدمية ( ستصير معدما)

- اللاإنتماء ( سنحرمك لذة الاحساس بالانتماء)

- اللارأي ( لن يصير لك رأي)

- اللااحساس ( و لا عاطفة)

- الدونية ( في خدمتنا)

- اللاوعي( لن تقرأ الكتب)

- اللاذوق ( لن تستمتع بالموسيقى)

- الاستغلال ( نسكنك مزبلة و نقطع أجزاءك).

الانسان اذن بقرة و البقرة متعة، و بالتالي فالانسان هو المتعة الحقيقية لمن يتكلمون بصيغة الجمع " نحن" و يضعون انفسهم فوق كل مسؤولية من جهة و فوق كل مساواة من البقر الانسان او الانسان البقر من جهة ثانية.

ان البقرة في رواية " احلام بقرة" لا يمكن ان تكون محمدا لوحده و انما هي زمرة محمد و الذي سيفقد كل ما فقده محمد عند التحول من الانسانية الى التبقير. و حتى و ان لم تكن البقرة او البقر هو الشعب الذي ينتمي اليه محمد فان هذا الشعب لا يمكن ان نضفي صفة البشرية عليه لانه لم يكن بقرة فهو اما حمار او طائر او قطة او كلب او جرادة " رايت جرادة صغيرة تساقطت مع الاوراق الذابلة و دفنت نفسها في رقبتي.. و تملكني حنين لا مثيل له، فربما تكون احد اصدقائي و قد حولهم احد دكاترة الحكومة الى حيوان ضئيل"ص15 هذا الاحتمال الذي قد يبلغ درجة اليقين يصدق على كل الحيوانات التي ذكرت في النص الروائي ( الحميرص22، القطط و الكلاب ص 22 الجرادة ص 15 طير بكر) و كل حيوان له بطبيعة الحال دلالته الرمزية و التي قد تختلف من شخص لاخر.

ان محمد البقرة و كل من يشبهونه يعيشون حالة اغتراب قاسية و انشطار قوي، حالة استلاب مزدوج. لا يندمجون مع البشر لانهم بقر غير حقيقي و لهذا فان محمد في نهاية الرحلة ( المغامرة) الرواية لم يحركه ذكر اسمه الحقيقي " و لم اعر اهمية لذكر اسمي المجرد فانسانيتي مجرد احتمال"ص88.

فثنائية التشابك و التعقيد و البعد الدلالي لشخصيات رواية" احلام بقرة" يجعلانها - على غرار سائر الروايات - تفقد حياد خطابها و براءته و يمنحانها صفة التركيب على اكثر من مستوى فيبدو المحكي بسيطا و عاديا و لكنه عندما يتناول يمتلك تعقده و غرابته.

ان ما حكته الرواية و ما انتهت الينا يتلخص في الحيرة التي تنتاب البطل و من خلاله الكاتب و المتلقي و التي عبرت عنها الرواية في الصفحة 65:" كنت اسير كالحالم (...) حسبت نفسي انني تهت في القدم و ان زمني قد انتهى بتحولي و خروجي. و ادركت ان علي ان ابتدىء من البداية و لكن اية بداية؟"

قد تكون هذه البداية هي بداية الحلم او بداية الحياة او بداية الانعتاق او بداية البداية و لكنها بداية لا زالت تبحث عن زمنها و مكانها، انها حلم و بالتحديد حلم بقرة.

 

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2024 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2024 Copyright, All Rights Reserved