رؤية فلسفية : الثقافة لا تنشأ بقرارات فوقية

2020-01-15

لم نعد نسمع شيئا عن تيار الثقافة والفن الذي عرف باسم "الواقعية الاشتراكية"، جدير بالذكر ان هذا التيار احتل الواجهة الثقافية الإعلامية للتيارات الماركسية بعد ثورة أُكتوبر وقيام الإتحاد السوفييتي، الإصطلاح نفسه صاغه الأديب الروسي – السوفييتي مكسيم غوركي صاحب رواية "الأم" الرائعة، التي اعتبرت بداية أدب الواقعية الإشتراكية .

خلال عقود وجود الاتحاد السوفييتي أصبحت الواقعية الإشتراكية معياراً ل "ألأدب الجيد" و"الأديب المناضل الثوري التحرري" في مواجهة التيارات الأدبية "البرجوازية والإمبريالية المعادية للإنسان" حسب الصيغة التي روجها النظام السوفييتي واتباعه، لدرجة ان المدارس الأدبية التي برزت في الثقافة الإنسانية مثل المذهب التاريخي، المذهب الإجتماعي، المذهب الجمالي، المذهب الكلاسيكي، المذهب الرومانسي، المذهب الواقعي (اطلق عليه ايضا اسم الواقعية البرجوازية)، المذهب الرمزي، المذهب الوجودي، المذهب العبثي وغيرها من التيارات الجديدة مثل تيار الحداثة وما بعد الحداثة... اختصرت كلها تحت صيغة "ثقافة برجوازية" مهمتها فقط تبرير النظام الرأسمالي الإستغلالي.. الخ، بتجاهل كامل لأعمال ابداعية إنسانية وفكرية غير مهادنة وداعمة لحقوق الإنسان وحق الشعوب المستعمرة بالتحرر من نير الإستعمار، لكنها خارج ما عرف بأدب الواقعية الاشتراكية !!ّ

أنا شخصيا تأثرت حتى النخاع بالأدب السوفييتي والروسي الكلاسيكي، بغض النظر عن تسميته واقعي اشتراكي كان بجذوره أدبا إنسانيا، وقد قرأت تقريبا كل ما صدر من ترجمات الأدب السوفييتي، وكانت هناك دارا سوفيتية للنشر بإسم "دار التقدم". طبعا بعض ما ترجم برزت فيه الدوغماتية الجدانوفية التي اضرت بالمضمون الجمالي .

ابواق الدعاية السوفييتية وابواق أتباعها في الحركات الشيوعية روجوا بشكل واسع للواقعية الإشتراكية، وما زال بعض نقاد الأدب يستعملون هذا الإصطلاح وكأن العالم لم يتحرك باتجاه مضاد حتى قبل سقوط الإتحاد السوفييتي وسقوط كل المفاهيم عن الواقعية الإشتراكية، ولا أقول سقوط الأدب والفن الذي أنتج شكليا تحت صيغتها، لأنه كان أدبا إنسانيا رائعا بكل المقاييس .

هنا لا بد من سؤال : هل نشأ حقا تيار ثقافي بروليتاري باسم تيار الواقعية الاشتراكية ؟

الأسئلة الجوهرية : هل يمكن نشوء تيار ثقافي بقرار سلطوي وبأوامر من الحزب الحاكم وقادته، كما كان الحال في الاتحاد السوفييتي ؟

هل هناك تشابه بين قرار إنشاء ادب الواقعية الإشتراكية ونشوء آداب للطبقات الإجتماعية السائدة في المجتمعات قبل المجتمع الاشتراكي ؟

هل ما عرف بأدب الواقعية الإشتراكية هو أدب عمالي ؟ ثقافة بروليتارية موازية ومعارضة للثقافة البرجوازية ؟

الثقافة البرجوازية، او الواقعية البرجوازية كما يحب أن يسميها البعض، ظهرت إلى حيز الوجود منذ ستة قرون على الأقل، أي في عصر النهضة (الرينيسانس) وبلغت اوج تفتحها في القرن التاسع عشر، ويمكن رصد بداية التيار الثقافي البرجوازي في عصر الإقطاع مع بداية إنشاء الصناعات الرأسمالية الأولى .

التاريخ يبين ان نشوء ثقافة جديدة لطبقة سائدة جديدة، يحتاج إلى حقبة من الزمن قد تمتد قرونا ولا تخضع لقرارات قوة سياسية ناشئة واوامر فوقية لا علاقة لها بالواقع الإجتماعي وبالنهج الفكري السائد، او بالرغبات لنظام سياسي او حزب سياسي .

حتى لو قبلنا فكرة ديكتاتورية البروليتاريا التي لم تطبق إطلاقا بل طبقت ديكتاتورية قيادات حزبية لم يلتزموا إطلاقا بالفكر الطبقي الماركسي الذي ادعوا أنهم يمثلوه ويطبقوه. لأنه حتى الدولة الاشتراكية بمبناها لم تختلف عن مبنى الدولة البرجوازية ( ولكنه موضوع آخر) المهم أن مفهوم طبقة البروليتاريا كانت نقلا عن واقع عايشه ماركس في كومونة باريس، وتلاشى هذا المفهوم بسرعة لأنه كان ظاهرة عابرة، وحتى مفهوم الصراع الطبقي التناحري بين البروليتاريا ( او الطبقة العاملة) والبرجوازية الذي يقود إلى اسقاط النظام البرجوازي وبناء نظام شيوعي ( حسب نظرية المادية التاريخية لماركس) لم تثبت صحتها نظريا، أكثر من ذلك لم تنشأ البروليتاريا إلاّ في عدد من الدول الأوروبية المتطورة اقتصاديا ولم تنشأ أي بروليتاريا خارج أُوروبا، وظاهرة البروليتاريا ارتبطت بقوانين الأراضي في الدول البرجوازية التي قادت إلى خراب المزارع واغلاق مساحات شاسعة من المراعي لصالح الصناعة والتطور الرأسمالي، فتدفق الفلاحون المنكوبون لبيع قوة عملهم لدى أصحاب المصانع... وشكّلوا الجزء الأكثر فقرا واستغلالا في أوساط الطبقة العاملة، كان من الخطأ جعل إصطلاح البروليتاريا شموليا لكل الطبقة العاملة، لأنه إصطلاح يخص الفئة الأكثر إملاقا في المجتمع، أصل الإصطلاح من الدولة الرومانية القديمة حيث أطلقت هذه التسمية على الفئات الأشد فقرا في المجتمع المعفيين من الضرائب . حتى الثورة الإشتراكية في الإتحاد السوفييتي لم تكن ثورة بروليتارية بمضمونها، بل ثورة جمهورها الأساسي من الفلاحين الذين تلقوا وعودا بالحصول على الأرض من لينين قائد ثورة اكتوبر .

لا أكشف أي جديد بالقول ان النظام السوفييتي كان بعيدا عن الماركسية (شوهها لينين وقبرها ستالين) الذي ادعى أنها نظريته لبناء الإقتصاد، المجتمع والدولة . وقد سقط النظام مع أول محاولة للتصحيح حاول أن يقوم بها الرئيس السوفييتي الأخير غورباتشوف لإنقاذ المجتمع والإقتصاد السوفييتي.. لسبب بسيط، إن الجماهير فقدت ثقتها بالجذور الفكرية التي روج لها النظام بصفتها عدالة اشتراكية وحقوق إنسان ورفاه اجتماعي ومسابقة مع الغرب الرأسمالي للتفوق عليه، بينما كل الدلائل أشارت إلى تخلف النظام السوفييتي في المسابقة الإقتصادية ومساحة الديمقراطية المتاحة ومستوى الحياة للمواطنين .

كل ما تبقى من تيار الواقعية الإشتراكية كان مجموعة من الدوغماتيين المتمسكين بأوهام لم يتحقق منها شيء في الواقع، والثقافة التي سادت عالمنا ظلت الثقافة البرجوازية، التي طورت أساليب ومدارس جديدة، تميزت بالفهم الإنساني للواقع، وليس بالكتابة حسب نظريات وقيود فرضت على المبدعين، دمرت الثقافة ودمرت الأدباء وعاقبت بعضهم بسبب إعجاب الغرب بإبداعهم الأدبي دكتور زيفاغو مثلا !!.

إذن نشوء تيار ثقافي جديد لا علاقة له بالنظام او بالقرارات الفوقية . ولا بتعيين قوميسار للثقافة أشبه بقائد عسكري يصدر أوامره للكتاب والفنانين حول ماذا يكتبون .

اشتهر القوميسار الثقافي السوفييتي المعروف باسم جدانوف وتعبير قوميسار من اللغة الروسية كان صفة لضباط سياسيين ملحقين بالوحدات القتالية، وأصبح اسم القوميسار جدانوف يرمز للتزمت السياسي والإنغلاق الثقافي والقمع للمفكرين والأدباء، وإعطاء الأوامر للمبدعين حول ما هو مقبول للنظام وما هو مرفوض ثقافيا وفنيا، لدرجة التدخل بفرض مضمون لشخصيات أبطال النصوص الأدبية او الفنية وما هي المضامين التي يجب الإلتزام بها .

جدانوف وصم مرحلة كاملة باسمه وصفت بـ "الجدانوفية"، استمرت بعد وفاته أيضا، فرضت على الأدب السوفييتي نهجا متزمتا ألحق الضرر بالدولة السوفيتية وبالأدباء والفنانين، وبعضهم واجهوا النفي في سيبيريا وغير ذلك من وسائل القمعى.

نهجت الجدانوفية على تأميم العقول وقمع الإبداع الثقافي والفني الذي تواصل بعد ستالين أيضا، من الموبقات التي ارتكبت أشهرها طرد وتجريد الكاتب الكبير سولجينتسين من جنسيته السوفيتية عام 1974 وهو في منفاه (من أشهر أعمالهِ روايتيه "أرخبيل غولاغ" و "يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش" حيث فضح واقع معسكرات النفي والعمل القسري في سيبيريا) ، وتعرض الشاعر والروائي بوريس باسترناك لحصار شديد لقيامه بكتابة روايته الرائعة "دكتور جيفاكو" التي منعوا نشرها في وطنه وكان تبريرهم في منعها أنها تسيء إلى الثورة البلشفية، فاضطر أصدقاء باسترناك إلى تهريب "دكتور جيفاكو" إلى الغرب ونشرت الرواية هناك ومنح باسترناك جائزة نوبل للآداب عنها، ثم تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي قام ببطولته عمر الشريف . الرواية لم تكن أبدا معادية للثورة البلشفية، إلا إذا اعتبرنا نقد التصرفات الغوغائية عداء .

إذن يمكن القول بدون تردد، إن الثقافة لا تتطور حسب فرض من السلطة أو الحزب، من هنا سقط واختفي تيار الواقعية الإشتراكية . رغم ان الإبداع الثقافي السوفييتي حتى الذي التزم (تحايلا) ببعض شروط الرقابة الجدانوفية كان ابداعا راقيا ورائعـا .

ربما تكون الجدانوفية التي استمرت بعد جدانوف من محركات الغضب التي ساهمت بإسقاط النظام السوفييتي أيضا . اليوم لا أجد كاتبا روسيا واحدا يبكي على سقوط النظام السوفييتي . وبالطبع لم أعد أسمع عن بدعة الواقعية الإشتراكية، إلّا في أوساط تعيش على هامش الثقافة والأدب .

 

نبيل عودة

 
- ولد في مدينة الناصرة (فلسطين 48) عام 1947. درس لمدة سنتين الهندسة الميكانيكية، ثم انتقل لدرسة الفلسفة والعلوم السياسية في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو . كتب ونشر القصص القصيرة منذ عام 1962. عانى من صعوبة الحصول على عمل وظيفي في التعليم مثلا، في فترة سيطرة الحكم العسكري الإسرائيلي على المجتمع العربي في إسرائيل . حيث اضطرر للعمل في مهنة الحدادة ( الصناعات المعدنية الثقيلة) لمدة 35 سنة ، منها 30 سنة كمدير عمل ومديرا للإنتاج... وواصل الكتابة الأدبية والفكرية، ثم النقد الأدبي والمقالة السياسية. ترك عمله اثر إصابة عمل في مطلع العام 2000 ..فعمل نائبا لرئيس تحرير صحيفة " الأهالي "مع الشاعر، المفكر والاعلامي البارز سالم جبران (من شعراء المقاومة). فكانت بالنسبة له تجربة صحفية مثيرة وثرية بكل المقاييس، وكانت جامعته الإعلامية الهامة التي اثرته فكريا وثقافيا وإعلاميا واثرت لغته الصحفية وقدراته التعبيرية واللغوية . شارك سالم جبران باصدار وتحرير مجلة "المستقبل" الثقافية الفكرية، منذ تشرين أول 2010 استلم رئاسة تحرير جريدة " المساء" اليومية، يحرر الآن صحيفة يومية "عرب بوست". من منشوراته : 1- نهاية الزمن العاقر (قصص عن انتفاضة الحجارة) 1988 2-يوميات الفلسطيني الذي لم يعد تائها ( بانوراما قصصية فلسطينية ) 1990 3-حازم يعود هذا المساء - حكاية سيزيف الفلسطيني (رواية) 1994 4 – المستحيل ( رواية ) 1995 5- الملح الفاسد ( مسرحية )2001 6 – بين نقد الفكر وفكر النقد ( نقد ادبي وفكري ) 2001 7 – امرأة بالطرف الآخر ( رواية ) 2001 8- الانطلاقة ( نقد ادبي ومراجعات ثقافية )2002 9 – الشيطان الذي في نفسي ( يشمل ثلاث مجموعات قصصية ) 2002 10- نبيل عودة يروي قصص الديوك (دار انهار) كتاب الكتروني في الانترنت 11- انتفاضة – مجموعة قصص – (اتحاد كتاب الانترنت المغاربية) كتاب الكتروني في الانترنت ومئات كثيرة من الأعمال القصصية والمقالات والنقد التي لم تجمع بكتب بعد ، لأسباب تتعلق اساسا بغياب دار للنشر، تأخذ على عاتقها الطباعة والتوزيع .

 

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
© 2020 جميع حقوق الطبع محفوظة © 2020 Copyright, All Rights Reserved