يوميات نصراوي: عاشت اللحى الثورية !!

2022-06-15

تفلسف في الجامعة حتى عاد بلحية ممتدة حتى الصرة، والله أعلم ما العلاقة بين الذقن والصرة .

توسمنا الخير بعودته، وما توسمنا الخير بذقنه .

كانت تربطني به زمالة قديمة من أيام المدرسة الابتدائية، عرفته بهدوئه، باجتهاده المدرسي، بميوله للانعزال، بابتعاده عن تجمعات الأصحاب ونقاشاتهم ولم يكن للسياسة مكان في حياته .

شددنا الأيدي، أنصتنا لكلماته المشتعلة بلهيب الثورة، فرحنا لوطنيته المكتشفة، هنأنا أنفسنا بزميل جديد، ضممناه، أحطناه بأفئدتنا وقلنا أهلاً "أبا العبس" !

عن أيام مضت وأيام ستمضي

في ليلة باردة، شديدة البرودة، اشتد فيها الزمهرير وشحَّت الأمطار انقطع المهنئون بالعودة، كانت ليلة كالحة السواد، حتى بات لا يميز الليل من سواد ذقنه .

ساد هدوء مضج بسبب انقطاع المهنئين بالعودة، كل شيء من حوله صامت، إلّا أفكاره تضج بقوة داخل رأسه، تعترك تتجادل، تخطط لما يلي من أيام، كيف يظهر، من أين يبدأ، ما يصح قوله، ما لا يليق أن يقال، كان جالساً إلى نفسه، يحاورها، يقارع أفكاره بأفكار مرت عليه في قراءآته أثناء دراسته الجامعية .

تناول مسائل الفكر والفلسفة، قارن بين مجتمعه الغارق ببدائيته وتأخره وبين المجتمع الذي قضى في جامعاته سنوات عديدة . استعرض مواقف مجتمعه المتحجرة وأساليب نشاطهم السياسي الذي بات غريباً عن دنياه الجامعية . طرق دعايتهم تليق بسوق الخضار، كأنهم يبيعون المبادئ بالميزان، تكرارهم الممل لنفس الصيغة بعجزعن تجديدها . موقفهم من قضايا التحرر، كأن مجرد إعلان التأييد لشعب مناضل كفيل بنصره.الموقف من المرأة، من تحررها، إعلان قبولنا تحرر المرأة ونحن أول من يضطهدها . نريد التحرر للمرأة التي لا تربطنا بها علاقة، أما من تخصنا فالويل من تحررها .

سيعلمهم كيف تكون المواقف الثورية . كيف يكون النضال الثوري، كيف يكون تحرر النساء، كيف تحرك الجماهير، طرق تثوير الجماهير، نشر الفكر الثوري بين العمال والطلاب، الإرتقاء بالعمل السياسي بما يتلاءم مع عصرنا .

حاول أن يضع ملامح على طريق حياته العتيدة، كوَّن لنفسه صورة عن معاركه المقبلة، عن قيادته للجماهير، أرهقه التفكير بنقطة البداية . إنها خطوة أولى بعدها سينطلق وتبدأ دربه في الصعود . رأى نفسه غارقًا في النشاط، بحر من النشاط، لم يحدد نوع نشاطه وطرازه . برنامج واسع من الالتزامات الاجتماعية والسياسية، تحليلات ومقالات مختلفة، محاضرات متنوعة، تثقيف الجماهير لن يكون سهلاً . إخراج الجماهير للشارع لن يتحقق بلا جهد، تحرير المرأة يحتاج إلى طلائعيين، ثوريين قولا وعملاً .

رأى حوله الدنيا تلتهب بالحماس، سحب أنفاساً طويلة من سيجارته، عبأ بها صدره الواسع المندفع برجولة نحو الأمام .

أطربته أفكاره وتخيلاته، اقتنع أن ساعته قد حانت، تلك علائم ميلاد جديد، بداية انهيار العالم القديم بكل عثراته وهزائمه وولادة العالم الجديد، الناصع، المحسوب بأدق تفاصيله، أحس بمدد من الراحة والاطمئنان لغده .

 بلا سابق إنذار انتقل لذكرياته من أيام الدراسة الثانوية، تذكر زملاء الدراسة مدعيِّ الثورية أيامها، ابتسم بطرف فمه، تذكر انه كان يقرض الشعر، تذكر بعض مقاطع قصائده فكبرت ابتسامته واتسعت حدودها على وجهه . ألهبته فكرة العودة لقرض الشعر، اتسعت ابتسامته في محاولة لتجاوز حدودها القصوى، رأى نفسه يكتب قصائد وطنية، قصائد غزلية في عشق الأرض، ارتاحت نفسه بشكل افتقده منذ وصل البلاد، عاد للوطن بعد دراسة جامعية طويلة وحافلة بالنشاط السياسي لقضية شعبه الوطنية، الشعر بات علامة تجارية للوطن . صار شعراء الوطن أشهر من نار على علم !!

وهل الوطن قصيدة ؟؟

هاجس خفيف راوده فأفقده ابتسامته الواسعة وقلَّصها إلى حدود تجمع بين الحيرة والابتسام . شيئًا فشيئاً أيقن أن الشعر كان عاملاً في تثوير الجماهير مما أقنعه أن الشعر وسيلة هامة من وسائل الثورة .

أمسك القلم وشحذ ذهنه مستحضرًا شيطان شعره، حاور التعابير اللغوية المكتظة في رأسه، المختلطة، تأكد أن ساعة العطاء اقتربت، تنتظم الكلمات وتتدفق بشيء من الإلهام . استعرض أسماء عشرات شعراء فلسطين في الماضي والحاضر، تذكر مقاطع رائعة من قصائدهم، التهب حماسة، امتلأت نفسه بروعة المعاني، ناشد شيطان شعره النائم أن يصحو ويلهمه مثل أيام زمان، ضغط القلم على الورقات البيضاء الناصعة أمامه، انتظر نزول الكلمة الأولى، تتدفق بعدها الكلمات والمعاني ويتراكم سيل التعابير والصور . تلاشت ابتسامته، تأمل حالته، أيقن أنه أمام ولادة متعسرة، إن المعاناة لا بد منها حتى تولد الكلمة وتتشكل القصيدة، انتشرت ابتسامته خجولة مترددة على طرف فمه، فكر بمنطق بما يجري معه وغرق في التأمل .

تاه في بحور المعاني، شده تراكم الكلام وتعثر منافذ التدفق . أيقن أن صمت شيطان شعره يشبه صمت الحكام العرب أمام تفجر الإنتفاضة وأمام صمود بيروت .

كان مقتنعًا أنه يريد أن يكتب الشعر، يشعر بدافع قوي وملح والهام غريزي . ربما لو حدد الموضوع لسهل على شيطان شعره أن ينطلق ممهدًا السبيل أمام تدفق الأوزان، عندها ستجد كل كلمة مما يملأ رأسه مكانها المناسب، تنطلق التعابير شعر بحماس جديد، اتسعت ابتسامته، خط كلمات قليلة وشطبها، خط من جديد وشطب من جديد، قرر أنه يريد قصيدة غاضبة يحطم فيها الأصنام القديمة والخونة المأفونين والعملاء وذليلي النفس، قصيدة مارش للثورة الظافرة التي سيحرك عناصرها بنشاطه الواسع بجهده المخلص، بإرادته الصلبة وبوطنيته الصادقة .

نظر للوراق بحماس وحمية، ارتجف القلم متحمسًا بين أصابع يده، فاتسعت ابتسامته، انتشرت من جديد، لكن شيطان شعره نائم وصامت، تقلصت مساحة ابتسامته تدريجياً وارتسمت العبوسة على محياه، شتم الشعر وكاد يشتم الشعراء، قرر ان الشعر لا ينفع كثيراً للثورة، الشعر خيال وعواطف وتحليق وآمال وأوهام، وهو لم يخلق لهذا، أبداً  أبداً  ابداً...

على الهامش

تمضي الأيام رتيبة حزينة، تتصارع خلالها في نفسه عوامل المد والجزر . كانت تعذبه مشكلة البداية، يغرق في قراءآته، يدرس مشاكل مجتمعه، يحلل نقاط الضعف، يؤكد على نقاط القوة، يراقب أساليب النضال ويبتسم من مستوى الإدراك المتدني، من الخوف لتحريك الجماهير، من التردد في الحسم، الرد الثوري لا بد منه، بدأ يشعر بالغضب من أساليب السياسة السائدة، يهز رأسه ويهمس لنفسه : انتظروا !!

أزوره مره فأجد جدران بيته مغطاة بصور الملتحين من الثوريين أمثال ماركس، إنجلز، لينين، تشي جيفارا، كاسترو وعرفات..

فهمت العلاقة وتوسمت خيرًا . قلت: نحن بانتظارك أبا العبس !

يا شايف الزول يا خايب الرجا

ترددت على "أبا العبس" كثيرًا . قلت لنفسي لعلها فترة هضم، لعلها خطوة إلى الوراء من أجل قفزة إلى الأمام . دعوته للمشاركة في نشاطات مختلفة، كان يتلقى دعواتي بابتسامته الساخرة البارزة على طرف فمه، كان أن استجاب لبعض دعواتي، ربما ليتعرف عن قرب على أساليبنا المتحجرة، ليدرس نفسية الجماهير، لحظة نزوله العاصف إلى الشارع، عندها لن تعود الأمور إلى سابق وضعها، التمهل واجب والخطوات يجب أن تكون محسوبة، كل شيء محسوب بدقة، لا مجال للمفاجآت في الثورة، المفاجأة ستكون من نصيب الأعداء، الأعداء السياسيين، الأعداء الطبقيين، المتخاذلين، الانتهازيين والخاملين .

*****

أراد صاحبنا مع عودته أن تكون الأمور جاهزة، أراد جماهير ثورية مستعدة بمجرد أن يطلق الإشارة، حلم أن آلاف الأكف تصفق له، هكذا لأنه هو قمة الفكر الثوري هنا . لكن أحلامه كانت زوبعة في ذاته لم يعشها إلّا بأحاسيسه، عندما اكتشف أن الدنيا ليست كما يحلم، وليست كما نحلم... غضب، أثبت أنه يعرف أن يغضب، بدأ يبحث عن هدف لغضبه، سرعان ما وجد قميص عثمان. هم أفشلوه ومنعوا جماهيره الثورية من الاندفاع، منعوا الأيدي أن تصفق له، ابتساماتهم وليونتهم إلى الجحيم، يدعون أنهم الحزب الثوري ويجلسون في مكاتب، يجب أن يتواصل الضغط الثوري على السلطة، أين أنت يا تشي جيفارا؟

هو يعرف من هو، ستعرف الدنيا من هو، هو الثورة، الفكر الجديد المتقد، اللحية الثورية رمز... ولن يقبل أن يحتويه أحد، الاحتواء إلى الجحيم !! 

لجأ إلى صومعته، حيث الصور والثورة والفكر والعبقرية واللحى الثورية، ابتعد عن مجتمعه، ابتعد عن الجميع، تمامًا كما كان في أيام المدرسة، بالكاد يختلط مع أحد . إنه مجتمع محبط ما داموا لا يتصرفون كما يريد ولا يأخذون مشورته في النضال !!

جلس ينتظر . انتظر الزوابع من جراء انسحابه الصاخب . انتظر الإنفجارات في صفوف الجماهير، انتظر الزوابع تطالبه بالعودة، انتظر أن تتجمع الجماهير أمام بيته مصرة على عودته للشارع وقيادة النضال .

انتظر.

ينتظر.

سينتظر.

هو.. أعني هو بالضبط، نسيَ أنه ليس إلّا هو نفسه . لم يضف شيئا لنفسه، أو لمن حوله، إلّا اللحية..

اللحية الممتدة حتى الصرة .

عاشت اللحى الثورية !!

 

nabiloudeh@gmail.com

 

نبيل عودة

 
- ولد في مدينة الناصرة (فلسطين 48) عام 1947.
درس الفلسفة والعلوم السياسية في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو .
كتب ونشر القصص القصيرة منذ عام 1962.
عمل نائبا لرئيس تحرير صحيفة " الأهالي 
شارك سالم جبران باصدار وتحرير مجلة "المستقبل" الثقافية الفكرية، منذ تشرين أول 2010
استلم رئاسة تحرير جريدة " المساء" اليومية .
يحرر الآن صحيفة يومية "عرب بوست".
من منشوراته : 1- نهاية الزمن العاقر (قصص عن انتفاضة الحجارة) 1988 2-يوميات الفلسطيني الذي لم يعد تائها ( بانوراما قصصية فلسطينية ) 1990 3-حازم يعود هذا المساء - حكاية سيزيف الفلسطيني (رواية) 1994 4 – المستحيل ( رواية ) 1995 5- الملح الفاسد ( مسرحية )2001 6 – بين نقد الفكر وفكر النقد ( نقد ادبي وفكري ) 2001 7 – امرأة بالطرف الآخر ( رواية ) 2001 8- الانطلاقة ( نقد ادبي ومراجعات ثقافية )2002 9 – الشيطان الذي في نفسي ( يشمل ثلاث مجموعات قصصية ) 2002 10- نبيل عودة يروي قصص الديوك (دار انهار) كتاب الكتروني في الانترنت 11- انتفاضة – مجموعة قصص – (اتحاد كتاب الانترنت المغاربية)  

 

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2024 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2024 Copyright, All Rights Reserved