زيت اللوز .../ بسمة الخطيب ..في روايتها (برتقال مر)

2017-07-24
قراءتي المنتجة في : ( برتقال مر) للروائية بسمة الخطيب، تحاول عدم الإكتفاء بقراءة المعنى الممدود على سطح النص، فالسطح : نضيدة علاماتية متشابكة، وفعل قراءتي : مرسل للأشتغال بما يفعله النص وليس بما يعنيه  ... فقد تلقت قراءتي أثناء إنتاجها : أضواء دلالات عميقة  حرضتني على الغوص في المياه العميقة للنص .. لعلي أتمكن تجاوز مفهوم القراءة وصولا للإنفتاح وتوليد دلالة إضافية .. وتوسيع قوس الجميل النصي وحساسيته  ..
(*)
قراءتي الثانية للرواية أنتجت تساؤلاتها التالية :
هل تتغذى تنموية سيرورة السرد من أسئلة ثلاثة  تطلقها الساردة في الربع الرابع من المطبوع، ومن خلال الرقم ثلاثة تنهض قطيعة بين شفاهية الحكي المشتغل على نسق ثلاثي وبين سردية الساردة أو حكايتها الخاصة :( تتقاطع الحكاية في جزء،، الألغاز الثلاثة ،، مع حكايتي التي تختمها ثلاثة أسئلة، لماذا فسخت َ خطبتك ؟ لماذا تكرهني عيشة ؟ ولماذا لم أمت حين وقعت عن الشرفة ؟ / 227 )  وهذه الأسئلة من العواقر، لكنها أسئلة مشروعة ومشرّعة على المسكوت عنه وبشهادة الساردة ( أنت تملك إجابة، وعيشة تملك أخرى، والله يملك الثالثة.. ) ..  ضمن السياق السردي هي ملكيات لاتشتعل لكنها ساعدت على إشتعال حساسية الساردة .. وستجيب الساردة حسب تأويلها لتجربتها الشخصية مع مايجري .. ( لذلك لن أموت مطمئنّة النفس . عيشة لن تجيب، ومهما بحثت ُ عن أعذار لما دمّرته في حياتي لن أجد، وأنت لن تذكر على الأرجح، وإن تذكرت ستتهرب، وإن لم تتهرّب وقلت َالحقيقة فلن تفيدني . أمّا الله فقد مضت سنوات على القطيعة بيننا.  يتركني لأمري متوعّدا بلقاء في حياة أخرى . لا أعرف عنها إلاّ أن رائحتها برائحة صباحات أيام الجمعة . رائحة ري الحبق والمردقوش ) .. وهذه الأجوبة – حسب قراءتي المنتجة – هي  عصير الرواية – ويمكن إعتبار هذا المثلث بمثابة ثريات فرعية تنسب للثريا الأم ( برتقال مر)..
(*)

هل نحن أمام رواية تنتسب للجندر :
*الجدة
*الحفيدة
*الأم عيشة
*الخالة : فاطمة
*أخوات الساردة وصديقتيها : سلام وماجدة 
*أم الحكيم تيم
بإستثناء الجدة فالمشترك الإتصالي بينهن : القسوة المطلقة 
(*)
الأم عيشة رحمها للأنجاب فقط !! هي أم بلا أمومة حتى في تلك اللحظة الانتقالية لبنتها.. ( لم تناولني علبة كوتكس من التي تبيعها لنساء القرية، لم تسأل إن كنت أنزف أو أتألم، لم يغيّر دخولي إلى عالم النساء كوني طفلة ملعونة ../200 ).. والبنت ليس لها سوى حلم يقظة واحد .. ( لو أني أعود طفلة تتأرجح أمام منزلها، وحين تغرب الشمس تأتي أمها وتُعيدها إلى البيت، تغسلها وتُلبسها فستان نوم وتطعمها، ثم تضعها في فراش ناعم ../ 161 ).. ولا تختلف أم الحكيم تيم عن أم الساردة ..( عانيت ُ كثيراً قسوة أمّك التي لم تحب عائلتنا يوماً والتي جاهرت بفرحها بفسخ خطبتك . عانيت ُ كما عانى كل من تقرّب منها، فظاظتها وعصبيتها وسخريتها وتكبرّها../ 188 ) .. وبتوقيت فسخ الحكيم خطوبته صارت فاطمة تؤذي الساردة : ( أراها تمسكني من أذني وترمي بي نحو الحائط مهددة بجزّ فروة رأسي، لأنها اكتشفت أنني كنت أزور والدتك، وبكسر رجليّ اللتين داستا بيتكم / 131 )
(*)
مؤثرية القصة القصيرة في المجنّس رواية عنوانها ( برتقال مر).. واضحة من خلال :
تقطيع جسد الرواية ليس إلى فصول ثلاثة، بل من خلال تجزئة كل فصل إلى وحدات سردية  لا تتجاوز الصفحتين .. مع وجود وحدات سردية بمساحة أوسع ( 18- 28 )  وكذلك في وحدة سردية أخرى بمساحة ( 68- 73 ).. وكذلك ( 75- 79) .. ( 124- 125- 126 – 127 – 128 – 129 – 130- - 131- 132 – 133- 134 -135) (143- 153)(180- 205 )  ( 240-  251 ).. بل هناك قصة قصيرة تبدأ من الثلث الثالث في ص235 وتنتهي  ص239... وحسب قراءتي المنتجة هي من أجمل القصص القصيرة .. وهذه المؤثرية الإجناسية مبصومة بتجربتين في القصة القصيرة  للروائية بسمة الخطيب، في تجربتها الثانية تفوقت القاصة بسمة الخطيب على ...الأولى ( دانتيل ) وتميزّت عربيا ضمن أجناسية القصة القصيرة العربية في ( شرفة تنتظر ).... من المؤكد في تجاربها الروائية الجديدة ستتخلص من هذا التجاور الإجناسي وربما تصوغه بما يوائم فتنة التروية ..
(*)
ثمة فصول فرعية في الفصول الثلاثة الرئيسة كان من الممكن ترشيقها بل الإستغناء عن بعضها، الذي تسبب في تباطىء سيرورة السرد وبث الملل في التلقي، كما هو الحال في الصفحات التالية : ( 46- 47- 48- 49 ).. ( 80-82- 83- 84- 85 ) ( 175- 194 ) .. ( 232-243 ) .. 
(*)
  الفصل الأول  والثاني يشتغلان لا على ضمير المتكلم، بل يشتغلان على ( حكاية الأقوال ) وهو مصطلح أجترحه جيرار جينيت ( فالحوار يعني كلاماً بين أثنين أو أكثر، يجري غالبا على أرض الواقع اليومي / 167- محمود عبد الوهاب ).. أما مايجري في الفصلين فيحتوي على شحنات عالية من المخيال  ومصطلح جينيت ( ينتسب إلى نص إنشائي تخييلي ).. الفصل الثالث وهو أقصر الفصول ( 275- 293 )  مع السارد العليم نكون في لحظة حدث الرواية الأهم، فالكلمة الأخيرة في الصفحة الأخيرة ومن خلال لسان العاشق سيتحرر اسما للبطلة التي مكثت على مدى ( 293صفحة ) بلا اسم، حيث يناديها  تيم باسمها : مي ..
وهذا الاسم من اجتراحها هي وهو مجتزء من اسم العاشق  : تيم ../ ص170
والساردة تتناول في الرواية فاعلية التسمية حسب مايتجاور مع العقل البري لدى الناس .. فالجد يتفاءل ويذعن لتعويذة ريفية ويسمي ولده : شبلا .. وبعد أسبوع ( لم يحمه اسم الحيوان المفترس كما تقول التعويذة، لم يمنع عنه ملاك الموت الذي يتجنب عادة الاقتراب من أطفال يحملون أسماء حيوانات مفترسة../ 95- 96 ).. إذن الساردة تنتمي للعقل البري نفسه في الاشتقاق التسموي المنبجس من اسم مَن تريده حبيبا وانتظرته ربع قرن من الزمن ومن اسمها الجديد قررت السكن في اسمه ومن خلال ذلك للسكن مع حبيبها نفسه ..
(*)
جماليات نسيج السرد : في مثنوية موجهات السرد، يتجسد ذلك في قوام التضافر الإجناسي بين حكي الجدة وسرد الحفيدة، حد التماهي اللذيذ ( أنا بطلة كل حكاية ترويها لي جدّتي /35 ) .. إذن نحن إزاء تراسل مرآوي بين جيلين : الجدة / الحفيدة والرابط التفاعلي هو الشفاهية المخيال . وثمة تراسل مرآوي في /66 على صعيد ثان : تكمن اللذة في التفارق بين فاعليتيّ الحكي / السرد بل بالتفارق مع حكي الجدة نفسها للحكاية نفسها وهذا التفارق / المتغيّر الحكواتي هو إنزياح ذاتي لدى الجدة بمؤثرية تجربتها الحياتية .. ( لم أقتنع لحظة أنّ جدتي نسيت الحكايات، بل إنّ صياغتها لها اختلفت مع تقدمها في العمر، فاستبعدت كل ما لم يكن يعجبها، ما جعل حكاياتها أسعد ../ 215 ) .. ويصاب سرد الحفيدة بالعدوى الجميلة ذاتها .. ( أنا أيضا فعلت ُ هذا، الآن أروي الحكايات مختلفة ً عما رويت لوسادتي منذ سنوات . ) ثم تعلن التفارق بينهما ..(الفرق بيني وبين جدتي أنّها لم تتّهمني بالنسيان – كما اتهمتها – بل بالخبل ).. ثم تعلن الحفيدة عن جهوية  جديدة للبث .. ( وأهمس في المطبخ الحكاية التي أعد نفسي أن أحكيها لك ذات يوم / 216 ) .. الحكي هنا معلّق / مرتجى ومؤّجل في الوقت نفسه والإضافة مشروطة ( بتقديم الفكرة العامة، على أنها فكرة جزئية في حد ذاتها، شرط أن نضيف إليها إحساسا بالقدرة على تعويضها بأي فكرة جزئية أخرى تشبهها من جهة اللفظ.../ 31- جيل دولوز ).. وهكذا في هذه التداولية للكلام : حكيا  وسردا وتكرار الحكي  مقرونا بالمتغير ، نكون مع حداثية النص الروائي الآن....
أما الجهوية الأساس لحكي الجدة - بشهادة الساردة - فقد كانت واحدية .
(بقيت ُ أؤمن بأنّها لأجلي وعلى مقياسي لتواسيني ../ 35 ) ثم ستعرف الحفيدة أن جدتها مستودع حكي متوارث .. ( قالت يوماً إنّها حفظت الحكايات عن والدها – حكواتي الحارة ) .. وستحتل الحفيدة دور جدتها في جهوية الحكي الجديدة وهي تبثه لسواها، وهي تستعمل الحكي للتهوية والتسلية ( سأسلي ّ نفسي بحكايات لاتقل قسوة عن هذا الحّر، من حكايتي إلى حكايات جدّتي إلى حكاية أنت بطلها ../39 ).. والحكي أيضا لتزييف الوعي بالترهيب ..( وكانت جدّتي تحكي عن بُنيّة أكلها الذئب وجدتها لأ نها في مشوارها – من دون مرافق كبير – خالفت أوامر أهلها بتجنب الكلام مع الغرباء../ 63 )..
(*)
شخصيا أرى الجدة هي بطلة على مستويين : الإجتماعي والمروي..( للتعويض كثفّت أعمال والزراعة وصناعة صابون الزيت البلدي، ما أنعكس عليّ أيضا، بصفتي مساعدتها المسيّرة لا المخيّرة، قبل أن أستقيل من تلك المهنة المتعبة وأدير ظهري لجدتي ليلاً .. وأختار النوم في غرفة أخرى ../ 131 ).. رغم هروبية الحفيدة، فأن الجدة أستطاعت تصنيع حفيدتها على المستويين أيضا ومنحت حفيدتها البطولة المطلقة في الحياة وفي الرواية .. شخصية الجدة ستبقى حاضرة في ذاكرتي لها شقيقاتها في مدينتي البصرة .. الجدة الكادحة، والجدة التي أرتهنت حياتها طوعا بكائنية الحكي.. ( لم تخش الموت جائعة ، بل الموت من دون ذاكرة ../78 ).. جدة بإحساس جمعي يذكرني بالحاجة ( صفية ) امرأة من معارف عائلتي البصرية، بين الحين والآخر تقصد المقابر، وترمم القبور المثلومة والمنهارة من نفقتها الخاصة .. كما ساعدت الشباب والشابات في تكاليف الزواج ، أتذكر ذلك من خلال هذه الطاقة العظيمة في الجدة اللبنانية .. ( العجزة الذين كانت تغسل أغطية أسرتهم وملابسهم../ 79 ) العجزة الذين ( يبكون كالاطفال لأن أحدا من أقاربهم لايزورهم.. ) ..
(*)
وأنا أستمتع بقراءتي لرواية ( برتقال مر ).. كنت أتجاور نصيا بهذا الشكل أوذاك مع رواية لاورا إسكيبيل ( كالماء للشوكولاته ).. في ( برتقال مر ) نقرأ الكلام التالي (في هامش أحد كتبك قرأت ،، الحب يحدث كل يوم لكنه يبقى حدثا ../ 193 ) تستقبنا رواية لاورا إسكيبيل ( كالماء للشوكولاتة ) بالمقتبس التالي ( الدعوة إلى المائدة وإلى الفراش تكون لمرة واحدة فقط ) .. في ( برتقال مر ) نقرأ التالي ( الحب يحدث كل ّ يوم ويبقى حدثا.الطبخ والحب ليسا شيئين مختلفين، لأن نتيجتهما واحدة وباعثهما واحد . حين تطبخ تقوم بفعل حب، تستخدم كل حواسك لأجل الفوز بحبيبك / 193 ).. ربما سبب التجاور النصي لدى قراءتي هو أنني كنت قد قرأت ُ قبل عامين ( كالماء للشوكولاته ) .. والآن قرأت ( برتقال مر ) وأستمتعت بقرائتها مرتين  في آذار 2017
*بسمة الخطيب / برتقال مر/ دار الآداب / بيروت/ ط1/ 2015
*لاورا إسكيبيل / كالماء للشوكولاته/ ترجمة صالح علماني/ دار بلومزبري/ مؤسسة قطر للنشر / ط1/ 2014
*محمود عبد الوهاب / شعرية العمر / دار المدى / بغداد/ 2012
*جيل دولوز/ الفرق والمعاودة / ترجمة وتقديم وتعليق د. عبد العزيز العيادي/ دار طوى- لندن / ط1/ 2015 / التوزيع دار الجمل .
 

مقداد مسعود

مقداد مسعود (من مواليد 15 أكتوبر 1954م البصرة، العراق)، هو شاعر وناقد عراقي بدأ النشر منتصف السبعينات من القرن العشرين ولدَ في بيتٍ فيه الكتب  أكثر من الأثاث . في طفولته كان يتأمل عميقًا أغلفة الكتب، صارت الأغلفة مراياه، فعبر إليها وتنقل بين مرايا الأغلفة، وحلمها مرارًا . في مراهقته فتنته الكتبُ فتقوس وقته على الروايات، وقادته إلى سواها من الكتب، وها هو على مشارف السبعين في ورطته مع زيت الكتب وسراجها بقناعة معرفية مطلقة

مؤلفاته
الزجاج وما يدور في فلكه
المغيب المضيء
الإذن العصية واللسان المقطوع
زهرة الرمان
من الاشرعة يتدفق النهر
القصيدة بصرة
زيادة معني العالم
شمس النارنج
حافة كوب ازرق
ما يختصره الكحل يتوسع فيه الزبيب
بصفيري اضيء الظلمة
يدي تنسى كثيرا
هدوء الفضة
ارباض
جياد من ريش نسور
الاحد الاول
قسيب
قلالي

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2024 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2024 Copyright, All Rights Reserved