دموع باردة

2013-07-02
في ساعة متأخرة من الليل وقفت عند ضفة نهر برلين (الشّبريه) المتجمد، فأشعلت (سيجارة)؛ لتجلب لها بعض الدفء، ثم أخذت تنقلها من يد إلى أخرى؛ ليكون لديها الوقت لتدس إحدى يديها في جيب ثوبها الرقيق. ملأت وجهها بالأصباغ حتى كادت تبدو كمهرج (السيرك)، ثم رسمت على وجهها الحزين ابتسامة كاذبة مصطنعة، كانت مسامير البرد القارس تنغرز في أطرافها، فتكاد تشل حركتها، لتترك علاماتها البارزة على جسدها، إلى جانب تلك التي خلفتها أنياب الذئاب البشرية عندما استباحت إنسانيتها، واستغلت ضعفها وحاجتها إلى قليل من الماء والخبز. كانت الحافلات تمر من أمامها في ذلك الطريق العتيق، فتطل الذئاب برؤوسها من نوافذ تلك الحافلات؛ لتعوي عليها كما لو أنها ظفرت بطريدة فسال عليها لعابها. كانت تعلم في قرارة نفسها حقيقة تلك الذئاب، لكن لم يكن لديها خيار غير أن تلعب معها لعبة الذئب والحمل؛ إذ إن أنيابها ـ وإن كانت تنهش بجسدها ـ تبقيها حية، حيث تعلم أنها إن امتنعت عن تأدية هذا الدور فسوف تسلم نفسها لفك الجوع، الذي لا نجاة حينئذ من أنيابه. وإذا كان البرد في تلك الساعة يقضم أطرافها، والذئاب تعوي عليها، فإن الألم كان يعتصر في صدرها، والهموم تتنزل على قلبها، كأنها السماء تطبق على الأرض، فتشعر برغبة جامحة في البكاء، لكن الدموع الباردة في عينيها جعلتهما كبحيرتين متجمدتين. رمت بعقب (السيجارة) التي كانت تمسك بها، ثم نظرت إلى الأعلى ونفخت الدخان المحشو بفمها، ثم صكت يديها ببعضهما، وأخذت تنفخ فيهما، ثم تحكهما بسرعة عساهما أن ينقدحا عن بعض من الدفء، ثم رمت بناظريها إلى النهر المتجمد لتستطلعه، وكأنها تتفحص نوعاً من أنواع (المكياج)، فذكرها منظره وجمود حركته بقسوة قلوب البشر، وجمود الدماء في عروقهم، وتبلد أرواحهم، وكيف أن ظلمهم وجحودهم ألقى بها في هذا الركن المظلم من العالم، وهي بالكاد أتمت ستة عشر خريفاً من عمرها. تذكرت كيف أنها فتحت عينيها على الحياة لترى نفسها وحيدة في ملجأ اللقطاء، لا تعرف لها أباً شفوقاً ولا أماً رحيمة، فتلقفتها أيدي الذئاب البشرية؛ لتجعل منها سلعة رخيصة تباع بأبخس الأثمان، ولتقذف بها من يد إلى أخرى، كأنها دمية لا روح فيها، أو وردة مصنوعة من (البلاستيك)، ليس فيها حياة أو عطر، تُستعمل عند الحاجة ثم تُرمى أو تُهمل. هكذا ركبت قطار الضلالة حتى وصلت نهاية النفق المغلق، فعاشت فيه كالخفافيش، لا حياة لها إلا في الظلام، حُرمت من رؤية الشمس فلا تقع عينها إلا على سواد حالك، ولا تستطيع الوقوف إلا على صخر قاس تنكس رأسها لتمسكه بقدميها، ولم تعد قادرة على العيش إلا بين جدران هذا النفق المعزول عن بقية العالم، فلا يُسمح لها بالاتصال إلا بذئاب الليل، الذين لا ينشطون إلا خلسة تحت جناح العتمة. حاولت الهرب مراراً من جحيم هذا النفق، لكنها اضطرت للعودة إليه؛ لأنها لم تعد تجد مكاناً بين البشر، الذين ضاقت صدورهم، وضنت ضمائرهم على أن يغفروا لها جرماً سيقت إليه مكبلة.
عندما كانت طفلة صغير كانت أغلى أمانيها أن تنطق كلمة أمي ... أبي. وعندما شبت قليلاً وتفتحت زهور أنوثتها حلمت برجل شريف تأوي إليه، وتنشئ بكنفه عائلة سعيدة. وعندما كبرت أكثر أدركت أنه في عالم الوحوش لا مكان للأحلام، لا مكان إلا للمفترس أو الفريسة. وهكذا عرفت بعد قليل أنها كانت تعد لتكون من الصنف الثاني، وأن القانون في الغاب لا يعطيها الحق في التمرد على دور الضحية.
في تلك الساعة تمثلت لها ذكرياتها المريرة شبحاً مفزعاً فتضاعفت أحزانها، وازدادت شقوتها، وشعرت بأن واقعها المؤلم كدائرة من النار، تحيط بها من كل الجوانب، فإما أن تستسلم لقدرها، وتنتظر أن تلتهمها النار ببطء شديد، فتحس بلهيب الموت يحرقها شيئاً فشيئاً، أو أن تغامر باقتحام دائرة النار فتحترق دفعة واحدة ولا تجد الألم إلا مرة واحدة ... وقفت في تلك الدائرة لتقرر، فاختارت أن تقتحم النار؛ لتضع حداً لآلامها. وما أن بزغت خيوط الفجر من شقوق الليل حتى رؤي جسدها مهشماً فوق جليد نهر الشبريه.

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2026 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2026 Copyright, All Rights Reserved