ثقل عليه هم العيال، وأعياه اللهاث خلف رغيف الخبز، وزاد عليه الطين بلّة جزع زوجته، وكثرة تذمرها، حتى أصبحت صفة الشكائة صفة ملازمة لها. لم يدر أين يهرب في هذا المساء من همومه، وأشباح فاقته. خرج من بيته وهو لا يعي إلى أين ستحمله قدماه. قطع عدة أحياء حتى وجد نفسه عند مفترق الطرق العريضة المفضية إلى أحياء أهل الدعة والنعيم، تنبه على أصوات أبواق موكب من سيارات (المرسيدس) الفخمة، ذات الطلاء الأسود، والعجلات المرتفعة، التي توقفت على الجانب الآخر المضاء من مفترق الطرق! قال في نفسه: لا بد أن هذا الموكب لأحد أصحاب المقامات الرفيعة في حكومة ولي الأمر، أو ربما يكون لأحد العسكريين المدججين بالأوسمة والنياشين، فأخذ ركناً من الجانب غير المضاء من حافة الشارع، يراقب ترجل صاحب الموكب، فلعله يكون شخصاً معروفاً، يظهر للناس في الجرائد أو التلفاز، فيسعد بقية ليلته برؤية هيبته.
وما هي إلا لحظات حتى هبط السائق والمرافق ليصطفا بجانب باب (المرسيدس- ماركة الصّابونة)، فتح السائق باب السيارة؛ لينزل منها الرجل المهم، فكان أول ما ظهر منه قدميه، لاحظ صاحبنا لمعان حذاء ذلك الرجل تحت أنوار المصباح الآلي الحاني فوق ذلك الركن من الطريق، ثم ظهرت بقية أشيائه، مثل: يده، ورأسه، وظهره، وخلفيته، وغيرها ... كان رجلاً ربعة، يميل إلى القصر، معظم فروة رأسه قد سقط، حليق الشارب، بلحية مرسومة كحد السكين، يرتدي بدلة سوداء، وتحتها قميص بندت أزراره حتى الزر الأخير، رغم أن المساء كان حاراً جداً، ولم يكن يرتدي رابطة عنق، فكان له أمراً غريباً: كيف لمثل هذا الرجل المهم ـ الذي يرتدي مثل هذه الثياب الفاخرة، ويملك هذه السيارة الفخمة ـ ألا يرتدي رابطة عنق؟! نظر إليه جيداً، فلفت انتباهه اكتناز أردافه، وانتفاخ صحون خديه، وامتلاء منكبيه، حتى أن بطنه أستدار وبرز أمامه على هيئة حبة الإجاص، بل كان بإمكانه أن يلاحظ حمرة خديه، وأن يتنبأ بنعومتهما، وإن كان ذلك دون أن يلمسهما.
نظر إلى وجه ذلك المسؤول، فأحس بأن هذا الوجه ليس غريباً عنه، كرر التفرس في تقاسيم وجهه، فتبين له أنه يعرفه حقاً، سأل نفسه: هل هذا هو...؟ فجاء جواب نفسه لنفسه: هو بعينه! إنه هو! مرت لحظات وهو يحدق النظر فيه، فكان يشاهد أحد مرافقيه وهو يخرج (النرجيلة) من صندوق السيارة مع بقية الحقائب، ثم ليختفي الجمع في إحدى مداخل الأبنية الفاخرة، فهجعت المراكب في ركنها، بعد أن غادرها من كان فيها، إلا أنه بقي في مكانه هناك، في الركن المظلم من حافة الطريق، التي تفصل بين الفقراء والأغنياء ... كان ساكناً بلا حركة، يستعيد صوراً من ذكريات تراكمت عليها أعوام طوال، جمعته يوماً مع هذا الرجل صاحب المقام الرفيع، الذي لم يكن سوى أحد رجال الدين البارزين في المدينة، تكتب عنه المجلات والجرائد، وتستضيفه القنوات والمحطات، وتباع له مسجّلات على الأشرطة في المكاتب و"الأكشاك".
كانا في عهد الشباب المبكر يتجاوران في المسكن، في إحدى أحياء الفقراء، فدرسا المتوسطة، ثم الثانوية معاً. مازال يذكر كيف أن هذا "الشيخ" كان مضرب المثل في الغباء والكسل في مدرستهم، وكيف أنه لم يكن يتجاوز الصفوف إلا بالغش والاحتيال، لكنه رغم غبائه المدقع، ولا مبالته، فقد وهب صوتاً جميلاً عذباً، لذلك كان حلمه أن يصبح مغنياً مشهوراً. ورغم اجتهاده في المرحلة الثانوية العامة ـ بالغش والتزوير في الامتحانات ـ فإنه حصل بالكاد على علامة النجاح، فلم يتمكن من الالتحاق بمعهد الموسيقى آنذاك، ولم يستطع الحصول إلا على مقعد جامعي في كلية العلوم الشرعية، التي تقبل جميع المتقدمين إليها، ومن كرمها لا ترد سائلاً! فأمّل الناس فيه خيراً، لعل حاله ينصلح وخلقه يستقيم؛ فقد أصبح طالباً في كلية الأخلاق! لكن يبدو أن المثل الشعبي جرى عليه، بأن "ذنب الكلب أعوج ولو وُضع في القوالب سنين"، وهكذا مضى في الغش، ودفع الرشوة، حتى حصل على شهادة الإجازة، ولجمال صوته عُين إماماً في أحد المساجد براتب زهيد، فاستطاع بخبرته الطويلة في فنون التزلف والخداع والحيل ـ بالإضافة إلى صوته الذي يأسر به أسماع المصلين عند تلاوته للآيات ـ أن يحظى بالتفاف رواد المسجد حوله، وما لبث أن انتدب ليصبح خطيباً في مسجد بأحد الأحياء الراقية، فازدادت شعبيته بين الأغنياء، كيف لا، وهو يسهل عليهم الحدود حتى لا يبقى لها حدود؟! فعلا نجمه، وقرب من أهل السياسة، حتى أصبح مجاباً فلا يرد له طلب، ولأنه لا يقبل أن يحمله أحد فضلاً، كان يعاملهم بالمثل، فلا يرد لهم طلباً كذلك! فانهالت عليه الأعطيات من كل حدب وصوب، وتزاحمت على عقد اللقاءات معه وسائل الإعلام، وهكذا حتى أصبح من أبرز شيوخ المدينة.
أما صاحبنا المهموم، فرغم تخرجه في كلية الهندسة المدنية، إلا أنه لم يجر عليه مثل ما جرى على زميله السابق من النعيم والحظوة، فلازال لباسه مرقعاً، وطعامه منقعاً، وهزلت قامته، واصفرت طلعته، وضاقت بالعيال عليه معيشته، حتى ملّها، وتمنى أن يصبح عليه صباح وهو ليس من أهلها.
ما هي إلا لحظات حتى نبهته إحدى الحافلات المارة بأبواقها، فاستفاق من توهانه مع ذكرياته العتيقة، ونظر مجدداً إلى السيارات الفارهة، وإلى بيوت الأغنياء، المرصعة بالرخام، ذي الألوان المزخرفة، وإلى شرفاتها العريضة، وأضوائها الباهجة، ثم نظر خلفه إلى بيوت الفقراء المظلمة، حيث تكدست الأبنية إلى بعضها البعض، وفاحت منها راحت العفن!
فقال في نفسه: ليس بيني وبين أن أعبر هذا الشارع من البيوت المظلمة إلى البيوت المضاءة، سوى أن أبيع ضميري ببعض التواقيع في شركة المقاولات الحكومية التي أعمل بها! لكن هيهات هيهات، فأنّى للشرفاء فعل ذلك؟! كيف سأرتضي لنفسي أن أتكسب ببيع ضميري؟ والله لأن أموت جوعاً أنا وعيالي أهون عليّ من فعل ذلك. ورغم ما يؤلمني مما أراه من تكسب بعض الناس بالمشيخة، حتى صارت في كثير من الأحيان موئلاً للهمل والشذاذ، ورغم أن الكثير من أهل فقه الشريعة يعرضون بضاعتهم في أسواق المضاربة بأرخص الأثمان، فإن ذلك لن يبرر لي أن أرد معهم حوض القبائح، وأن أشاركهم أمرهم السيئ.
سأصبّر نفسي وأهلي وأكرههم على العيش النزير. ولأن نأكل كسر الخبز اليابسة من كسب حلال أحبّ إلى نفسي من شرب الشهد المغموس بالحرام.
ثم حزم أمره ليعود إلى منزله، فنظر للمرة الأخيرة إلى أحياء الأغنياء، ففاجأه ما رأى ... لقد أظلمت جميع البيوت مرة واحدة، لم يكن يصدق ما تريه عيناه، ثم التفت خلفه، فرأى بيوت الفقراء تشع نوراً، فاطمئنّ بما كشفت عنه بصيرته، وعاد راضياً قانعاً إلى أهله.

