علم النفس الابداعي والمسرح

2011-03-06

يعتبر الابداع صفة مكتيبة لدى البشر . وليس شيئا موروثا . ولايحتكر عند مجموعة معينة من الناس , لذلك يتطلب الابداع المرونة بالفكر وطلاقة واسعة , لانه في نفس الوقت نوع من التفكير يؤدي الى الانتاج ويتصف بالجدية والمرونة والاصالة .

ان الخوف كما نعرف يقتل او يجفف منابع الابداع في العقل البشري ... اذ لايوجد ابداع مع الخوف ... اما في القلق الواقعي فهذه مسألة طبيعية وليس مانعني بالقلق المحيط ...فقد ثبت انه كلما كان هناك خوفا يقل الابداع , ولدينا هناك امثلة عديدة ..فوجود الدكتاتوريات والانظمة العسكرية المناهضة للديمقراطية والابداع والفكر النير والتي تبني أسوارا حديدية وتحكم بالقبضة الفولاذية , لاتسمح بذلك للتطور الفكري الانساني الثقافي والفني , كما وان هذه الانظمة تحدد من القيم العالية الانسانية للابداع وبذلك فهي تصنع الخوف للاخر ... الخوف الذي يضعف في ( بعض الاحيان ) الثقة بالنفس , ومع كل هذا يستطيع ان يخلق المبدع جوا خاصا له ضمن هذه الاجواء الارهابية .. ويخلق جوا مناسبا له كي يقوم بعملية انتاج مايريد بعيدا عن انظار السلطة وذلك بنسب معينة استنادا الى حديثنا اعلاه في ( بعض الاحيان ).


ومن ثم نرى ان المبدع يبتعد بادواته عن التفكير العادي والنمطي ويميل الى الانتاج الفكري المميز، اي بمعنى اخر انتاج التفكير وهذا ايضا يخضع لاسباب، لانه اي المبدع يختلف في تفطيره  عن الاخرين  فهو بذلك لايجاريهم ايضا.

ان المبدع هو الذي يستطيع ان يضيف شئ ما لذكائه الذي يتمتع به لكونه يتمتع بمهارات القدرة على الابداع مثل الطلاقة والتي تعني توليد حلول جديدة لافكار جديدة واعطاء بدائل غير مألوفة .

فمثلا نجد لديه القدرة على الانتاج اللغوي والفكري والفني وفي الرياضايات وكذلك في المهارات الاخرى ومنها الرياضية ..اي الابداع في كل مجال ...

ان شخصية كشخصية المبدع لابد وان تتمتع بصفات وسمات خاصة وتعتمد على الاصالة والقدرة على التغيير وبشكل مميز عبر نافذة الافكار البعيدة التي يصفها ويصنعها وهي من بناة افكاره ولم تكن سائدة في وقت انتاجها وغير شائعة ..

ان المهارة والتَمَيز في عقل المبدع تُميز ما يطرحه .. وفي جوانب اخرى مضيئة لدى المبدع تتعلق بتقديم ما هو مثير في حالة احساسه باي مشكلة فنراه يبتدع لها حلا باحساسه وبمستوى وعيه وباضافات ومعلومات وتفاصيل جديدة لايصل اليها الاخر..

من هذا التقديم نرى ان المبدع يتحمل المسؤولية بنتائجها لانه ليس بمقدور اي انسان ان يتحمل المسؤولية .. الا ان الفرادة لدى المبدع هي ان له القدرة على تحمل هذه المسؤولية وتحمل ما تكتنفه من غموض , لذلك نراه طموح وذا دافعية عالية ضمن الاعتداد بالنفس متمتعا بروح عالية مليئة بالثقة بالنفس ولا يخاف المخاطرة او المغامرة لكونه يملك الاستعداد العالي من النقد كما ولديه القدرة على اختيار الاشياء وتمييزها عن بعضها وبالتالي له القدرة على الاستطلاع العالي ...

ان للتفكير الابداعي مراحل في الاعداد والاحتضان والمثابرة ومن ثم الاشراق وايضا التحقق في الاشياء والوصول الى البرهان وبالتالي الاصرار والظهور بالجديد ...


ان استيعاب المشاكل لايقف عند حدود .. فنرى هناك اساليب عديدة للتفكير الابداعي ايضا .. فهناك انظمة معينة تؤدي للعصف الذهني يتميز بها صاحب التفكير المبدع او مثلما نقول التفكير الابداعي ...

واننا كوسط مسرحي نجمع كل العلوم وننطلق منها ..فمثلا العالم -- يونغ -- يعتبر اهم من قال في مشروع الفن او التنبئ الفني او ( الولادة الفنية )اي  ان الاشياء تاتي بالولادة .. فكل شخصية فنية او رياضية او سياسية اجتماعية او نفسية تولد معها الموهبة ...

وتقاس هذه الاشياء في السنوات الاولى الخمسة لحياة الطفل وبعد ذلك الخمس سنوات الثانية

وتصبح لنا شخصية اجتماعية تتاثر بالمحيط الذي تعيش فيه وبالشخصيات القريبة منها وكذلك يؤكد العالم -- سيجموند فرويد -- على السنوات الخمسة الاولى والثانية والثالثة من حياة الطفل والتي تصنع بصمة الفنان او الشاعر او السياسي الى اخره اذ لايوجد اختلاف بهذا الموضوع .

وهنا لايفوتني ان اطرح سؤال مهم على جميع المعنين في شؤؤن الطفولة بدءا بالروضة والابتدائية والمتوسطة -- اي اقصد مديريات التربية والتعليم -- اين الطفل العراقي من هذه القياسات التي عمل عليها علماء النفس في العالم ولايوجد عليها اختلاف ومتى سنعمل بها ؟؟ اذا كانت المدارس غير صالحة اصلا للتدريس والتعليم والطلبه يحشرون حشرا واعدادهم كبيرة داخل الصف الواحد .. واوقات الدوام ثلاث مرات اي ثلاث وجبات ؟؟؟؟ ناهيك عن القرطاسية والكشف عن الحالة الصحية و الى اخره من مشاكل ما زالت لحد هذا اليوم لم يوجد لها حل !!! فكيف لنا ان نصنع سياسي او فنان او شاعر او اديب والطفل والمؤسسة التربوية لم تساهم بتطوير مراحل الطفولة هذه في المدارس وما زالت تعمل بمثل هذا الاسلوب القديم !!!!! رغم ان النظام السابق ولى ومن دون رجعة.. انه سؤال يُطرح لمن يهمه الامر .


نعود مرة اخرى الى موضوعنا علم النفس الابداعي وعلاقته بالمسرح ..في الجانب التخصصي في عملنا بالمسرح نجد ان العظيم -- وليم شكسبير -- هو العالم الاول في علم النفس قبل -- فرويد -- او يونغ -- عندما نراه قد سبقهم في تقديم مسرحية --هاملت --نجد ان هاملت باعتباره طالبا قد درس الفلسفة اولا ومن ثم انه كان امير اي انه ابن ملك ومن طبقة النبلاء . نجده يتمتع بشخصية مستقره, بسيطة , أجتماعية , معتدلة سلوكيا , لكن هناك ثمة شيء يدعوه الى ان يبدأ التحول في شخصيته بعد مشاهدته طيف والده واخباره بالحقيقية التي عرفها ومفادها ( أن عمه قتل أباه وأمه تعلم بذلك ايضا ) .....

من هذه اللحظة تتحول شخصية هاملت الى شخصية معقدة , مركبة , شخصية سوداوية, ويكون هذا واضحا من خلال مجمل حوارات هاملت وفي ( خطبة هاملت في الفرقة المسرحية التي اتت الى القصر ) .


ان مهمة دارس المسرح على ما اعتقد تقع في التحليل النفسي للشخصية التي تقع امام عينه في تمثيل او لعب الدور وكذلك عن القناع الذي يلبس على المسرح..


وايضا لو تطرقنا الى -- فرويد -- حينما ذهب الى عمل سوفوكليس في ( اوديب ملكا ) حيث كانت تشكل عقدة اوديب فيها المعضلة الرئيسية وتعمل على السنوات الاولى لحياة الانسان وكذلك الفروق الفردية بين الافراد وبين الممثلين , فالممثل في لحظاته منها نجد الجانب النفسي والعقلي قد يتغير في ثواني ولحظات .


ونحن نعرف وعلى يقين ان الابداع يرتبط بعلم النفس في سايكولوجية الشخصية / الشخصية الابتكارية المبدعة , لأن هذا العلم يثير كل المهتمين في مجال الادب والفن لكونه يدرس سلوكيات الانسان في حالة الشعور واللاشعور، في حالات مرضية او حالات طبيعية بل انه يذهب الى ابعد من ذلك فنجده يبحث في الممثل وكيف يتوحد مع الدور وماهو تاثيره على المتفرج من خلال جوانب عديدة اهمها الابداع والتفوق وابراز الموهبة وكذلك الاستعداد والقدرة العقلية والبدنية .... اذاً هو يدخل في كل تفاصيل تخصصنا بالمسرح ..

من هنا جاء الاهتمام بالشخصيات المبدعة والمبتكرة والتي تملك التفوق العقلي لتمارس هذا الاداء .....


ان الاهتمام في الجانب النفسي والتحليل النفسي هي مسؤولية تقع على المتخصص او (الدارس) في المسرح وينصب في ذلك التحليل النفسي للشخصية التي يراها ويراقبها امامه حينما تلعب الدور المطلوب .. لان الممثل في هذه الحالة ( يلبس قناع على المسرح ) لذلك هنا ياتي دور ( الجانب التحليلي للمسرح ) لمحتوى هذه الادوار والشخصيات لأن العملية هنا تعني لنا البحث في الممثل وكيف تتم عملية التوحد اي - التوحد - مع الدور ,, كيف يعيشه؟ كيف يتاثر به ؟ وكيف يعكس تاثيرات ذلك على المتفرج.


هنا يبرز الجانب الابداعي المهم والموهبة والتفوق متضمنا القدرة الاستعدادية الجاهزة مع القدرات العقلية السليمة المتطورة... كل هذا يدخل ضمن مجال التخصص , ان تحليل المحتوى-- للنص او القصة او الرواية -- لكونها مفتاح الدخول لعوالم الشخصية تعتبر من المسائل المهمة جدا والتي اعتمد عليها -- فرويد -- على المسرح في التفسير بين الفروقات الفردية بين الناس من خلال تجاربه في التحليل النفسي والسلوكي والمعرفي وهي تشكل اتجاهات علم النفس.


ان الابداع يرتبط بعلم النفس، في سايكولوجية الشخصية والشخصية الابتكارية المبدعة بما تحمل من صفات.. لذلك هناك تكامل بين علم النفس الابداعي والفن وهو ايضا اساس للنظرية التحليلية التي عمل عليها العبقري ( ستانسلافسكي )  , ان التحليل والابداع الفني - النفساني يهتم بجانب التقدير الفني والابداع الفني وما يحدث للفنان ويمس الموضوع الفني ..


ان للتقديرات الفنية للانتاج وللفن اهمية بالغة , لان المواهب الفطرية لدى علماء النفس تعتبر مهمة جدا وهي تتعلم وتدرس منهج العبقري -- ستانسلافسكي -- حتى تطبق ما جاء به من تعليمات .. لأنه وضع الاسس الاولى لعملية ( الاندماج ) وكان يؤكد على دروس الماضي لحياة اي شخصية ,, فقد كان يوصي الممثلين ( بالدخول تحت جلد الدور الذي يؤديه الممثل ) وهذه اشارة الى كل من يريد يعمل في هذا الفن بالاضافة الى التاكيد على ضرورة العمل بصدق واخلاص والتعمق بالاطر الاجتماعية للشخصية ,, لذلك كان يركز في منهجه على الابعاد الثلاثة لكل شخصية ونقصد : (البعد الاجتماعي-الطبيعي-النفسي ) ويسبر غور الأنوات الثلاث : الأنا العليا والتي تهتم بالأخطاء اي تمثل الجانب السلبي، وفي الأنا السفلى والتي تعني في المسرح المدركات الشعورية الغريزيه كالجنس وحب الامتلاك والتفوق على الاخرين وايضا الأنا السوية وهي التي تصنع المعادل بين الأنا العليا والأنا السفلىن ومن ثم تلتزم بقوانين اجتماعية واعراف يعيشها الانسان في حياته الطبيعية وبالتالي يدخل (ستانسلافسكي ) من خلال العمل على -- الجسد والنفس -- زائداً ثقافة الممثل الخلاقة وكان قد درس انماط الشخصية المبدعة والمبتكرة .


ولابد ان نشير الى ان الشخصية المبدعة تجمع صفات مهمة بين العصف الذهني وتالف الشتات وبذلك تظهر بوادرها في الابداع والابتكار والتفوق العقلي وهو مايميزها.


ان عملية التوحد بين المبدع الممثل والشخصية المرسومة له تعتمد على ميكانزمات الدماغ اي ميكانزم التوحد وهي عملية لاشعورية بسبب الاسقاطات والتكوين النفسي والعزل الاجتماعي والكبت كلها مفردات تهتم بطبيعة الشخصية ..


فكلما كان عميقا بالدور اجاد الممثل حالة لاشعورية.. وكلما ذهب الى التفتيش والتنقيب في ذاكرته الانفعالية والحسية والعاطفيه سنجد ان الجانب الانفعالي يلعب دورا مهما في عملية الابداع .. لأن الانفعالات هذه تؤثر على المتفرج بالدرجة الاولى.. لأن الممثل بشكل عام يقوم وبشكل مباشر امام الجمهور-- بتأدية دور غير مهيأ اليه -- مثال على ذلك المواقف الصعبة منها الهستيرية...نرى ان الجميع ينفعل معها حتى يصل في بعض الاحيان الى ان المتفرج يبكي معه لهذا التوحد اي ( عمق التوحد ) في الدور،ونجد هذا ايضا في الفنون المجاورة للمسرح السينما او التلفزيون ...


وايضا هناك عاملا مهما يتمثل في -- الذكاء -- الذي يلعب دورا كبيرا في هذه المنظومة من القدرات آنفة الذكر وهي قدرات ينميها نمو نوعي من خلال اكتساب الخبرات والتجارب التي تضيف خبرة نوعية وتراكمات كميه محصلتها خبرة نوعية وامكانات جديدة في حقل الابداع و بالمناسبة عند الذكي يأخذ مدى بعيد جدا بالاضافة الى سرعة البديهية التي يتمتع بها الممثل

ان في تنمية القدرة على الذكاء والتفوق العقلي والموهبة والابداع كل هذه المنظومة انما هي علامات مضيئة في التفوق الحياتي او العملي وقد سبق وان حدد العلماء ان التفوق والابداع لذكاء الانسان يكون في عمر 18-21 في قمة الاداء ثم تأتي بعد ذلك الخبرة لترص البناء المتكامل للشخصية الفنية ...


لقد استطاع المسرح ان يعمل ويجسد سايكولوجية النكته كوميديا وتراجيديا , وان علم النفس الابداعي استعار من المسرح الكثير لوضع اسسه كونه دخل في كل المجالات العلمية ومنها المسرح.

لذلك فالمسرح يعتمد على النظريات والتجارب المهمة التي قدمت على مر الازمنة معززة بامثلة تطبق في كل زمان ومكان لتشابه الحالات والسلوك لدى الانسان .. والمسرح ايضا يهتم بالسنوات الاولى من حياة الانسان -- الكفل -- الذي اشرت اليه بمعرض المادة اعلاه لانها هي المهمة في اعتقادي وهي التي تنحت شخصيته وتعطينا بصمته الكاملة ودوره في المستقبل وكذلك ايضا نعتمد في المسرح على الفروقات الفردية بين الممثلين والافراد ,, والممثل ايضا في لحظاته الخاصه من حيث الجانب النفسي والعقلي لانه قد يتغير بثواني او لحظات ..

ولأنه ذه العملية  تتطلب من الممثل التعرف على نوع العمل لكي يكون بالنسبة له مألوفا حتى يستطيع ان يندمج او يتوحد تدريجيا داخل اطار العمل وبذلك فهو يكتسب حركات جديدة جسمية لها اهمية خاصة في خبرته الجمالية ثم يصبح العمل او الموضوع الفني جزأ من المتفرج الذي يشكل حيزا كبيرا في عمل الممثل اثناء تواجده داخل فضاءات العرض المسرحي , ويكون المحفز الاول لابداعته , لانه ينطلق بخطابه الموجه اليه بشكل مباشر من اجل تطوير هذه العلاقة المتساوية .واقصد هنا بالتساوي حسب غروتوفسكي ممثل واحد ومتفرج واحد يكفي لان نقدم مسرحا .


نعمة السوداني

ناقد مسرحي

هولندا

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2024 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2024 Copyright, All Rights Reserved