نقطة الحدود

2021-02-17

تهوى السفر، تغمرها السعادة حين تتاح لها الفرصة، أحيانا تقررها طريقة في كسر القيود، الخروج من سجون ودخول أخرى، فك حبال وملامسة حبال أخرى . تعودت أن تقطع الحبال التي تشدها من حين إلى آخر . لا تهمها صلابة الحبال بل بصلابتها هي،  تنضوِي عنها بعض عاداتها دون أن تكتسي عادات أخرى . تطفو فوقها كلها إلى حين . ترتعب من بعضها وتستعذب البعض . تمرح في لعبة المرايا . أفعال وردود أفعال بسيطة تعكس لها الفروق بين حياتين . مراس ومران للحساسية .  تلتقط وتسجل وتنفعل . تجوس عوالم عديدة، تنكشف ذاتها من خلال ذوات أخرى..

حنّت إلى هذه القطع ، قررت السفر إلى الشمال . شمال البحر الأبيض المتوسط . لن تذهب في رفقة أحد . ستسافر وحدها . السفر على انفراد له نكهة خاصة، له سحر متميز . هو تفرغ لقراءة،  قراءة متأنية عميقة . السفر في الرفقة هو تصفح لكتاب دون قراءته، السفر هو إما إلى .. أو مع..

قررت السفر في الصيغة الأولى . لن تمكث طويلا . ستأخذ معها حقيبة واحدة لأنها تعود عادة باثنين واحدة لها وواحدة للكتب، وهدايا لطفليها .

أمضت أسبوعين في الشمال تسكعت  في عالم المكتبات  وعالم المحلات التجارية . ثم عالم المقاهي والشوارع كل مساء . تبادلت الأحاديث السطحية والرفقات العابرة . كانت رحلة ممتعة ثرية بالخبرات .

استقلت الحافلة عابرة القارات للعودة . كانت الحافلة تتهادى في الطريق السيار . جو الحافلة ألزمها باللجوء إلى تقنيتها المعهودة حين تجد نفسها في عالم لا تتواصل معه . تنطوي على ذاتها وفي ذاتها . الحركة المنتظمة للحافلة سحبتها  إلى نوم عميق لم يكسره سوى وقوف الحافلة في النقطة الأولى للحدود .

أضيئت الأنوار تمطى الركاب . نزل السائق واختفى برهة . عاد يرافقه أحد رجال شرطة الحدود . أمر الركاب بتسليم جوازاتهم، تناولها وهو يسأل كل واحد عن مكان إقامته  ومن معه . لاحظت  أن سلسلة من الكذبات تناثرت حباتها في الإجابات . غاب الشرطي بعد انجاز مهمته ثم عاد وهو يحمل جوازها هي فقط وينادي اسمها محرفا . كانت جالسة في مقدمة الحافلة، رفعت أصبعها لتقول أنها حاضرة كما في فصل الدراسة . اتجهت كل الأنظار إليها مشحونة بالتساؤل قال لها الشرطي :

- تفضلي  معي وهات أمتعتك معك

حملت حقيبة صغيرة كانت موضوعة على رف الحافلة .

سألها: - هل لديك متاع آخر؟

أجابت بسرعة  لا هذا كل ما معي  ألقت هي الأخرى بهذه الكذبة لتتفادى حمل الحقيبة الثانية المليئة بالكتب التي كانت موجودة في جوف الحافلة .

نزلت من الحافلة وتبعته مقتفية خطواته إلى مبنى حراسة الحدود، لم تتعرض أبدا  في إسفارها  العديدة لتفتيش خاص لم يعترها أي خوف ولا قلق  أوراقها سليمة تامة الصلاحية  وصلا إلى القاعة الأولى في المبنى أخذ الحقيبة الصغيرة وافرغ محتوياتها على طاولة . كانت  تحمل فيها ملابسها الداخلية وأدوات الزينة والنظافة وبعض البطاقات والأوراق .

فكك كل ما فيها بدقة غريبة . تناول حقيبة يدها وفعل بها نفس الشيء . قرأ كل البطاقات والوريقات التي تزخر بها  دائما حقيبتها . سألها عن مهنتها وسبب وجودها في الشمال .  أجابته دون أي التواء.سألته وهو منهمك  في التفتيش :  

- هل من الممكن أن أعرف سبب هذا التفتيش ؟

- لا استطيع أن أخبرك

فكرت لا داعي للقلق  بالتأكيد أن  لهم الأمر بإلقاء القبض على سيدة ما ليس لديهم معلومات كافية عنها .

اعتقدت إن التفتيش انتهى  وستعود إلى الحافلة . همت بمحاولة جمع  أشيائها من الطاولة لتعيدها إلى الحقيبة . لكنها فوجئت بالشرطي يأمرها بلهجة تمتزج فيها السلطة بالحزم :

- تعالي إلى هنا

سألته :

لماذا ؟

- لنفتشك أنت لا الحقيبة .

لم تشعر بأية رهبة . حولت نظرها إلى شرطي آخر تحاول أن تستشف من ملامحه شيئا يدلها على المرغوب  من هذا التفتيش . كان يتابع حوارها مع زميله  باهتمام دون أن يبدو عليه الاهتمام ؟ أمرها المفتش باللحاق به، تبعته أدخلها إلى غرفة مظلمة وأدار زر  الكهرباء .الغرفة خالية فيها كرسي واحد . أمرها ثانية :

- اخلعي ملابسك .

لا يسعها سوى الإنصياع للأوامر وإلّا انقلب الموقف عليها . أخذت تنزع ملابسها بتلكؤ لعل المفتش يغير رأيه ويدفعها تذهب إلى حال سبيلها . توقفت حين وصلت إلى القطعتين الداخليتين . كان الشرطي يتابع حركاتها بتمعن . أمرها :

- اخلعي هاتين القطعتين أيضا .

- باستطاعتك رؤية أنني لا أحمل شيئا .

- طيب اخلعي هذه .

أشار إلى حمالة صدرها . لعل هذا المفتش يحاول أن يعثر على شيء ما حتى ولو كان تحت جلدها . لم تعانده على أي، نزعتها . سارع  بالإقتراب منها هاتفها بهمس :

- يا له من صدر جميل أنت جميلة .

تخيلته طفل جائع سيرضع .

- جسمك تنبعث  منه الحرارة .

 اندهشت . لم تجب بشيء . ماذا يريد هذا المفتش ؟ تفتيش بوليسي أم تفتيش عن الجمال

!!

ظلت دون حركة، دون استجابة . لم تتوقع فعله هذا . عثر على شيء لم يكن يبحث عنه

!!

 

- يا إلهي  إن جسمك  مثير جدا، كيف حافظت على نضارة جسمك وأنت في هذا السن ؟

-أمارس الرياضة .

- صحيح الرياضة تعطي هذه النتائج ؟

دار بخلدها - هو التفتيش يتخذ مسارا آخر .

 ربت على كتفها وقال لها :

-اسمعي ارتدي ملابسك وتعالي معي

- إلى أين ؟ لقد فتشتني ولم تجد لدي أي شيء، أليس هذا كاف ؟

سارعت بارتداء ملابسها وهو يستعجلها . جذبها من يدها وهو يقول :

-تعالي معي أرجوك

نكتة الحكاية فيها رجاء

!!

استسلمت له تركت يدها في يده وظلت الأخرى تحمل حذاءها، لم  يمهلها حتى تنتعله . يسير بخطوات سريعة وهي تحاول اللحاق به . يسحبها خلفه برقة وكأنهما في نزهة، في المروج الخضراء الرائعة التي تتناثر في بلاد الشمال

!!

 

لا تعاند . مع الشرطة لا ينفع العناد . فهمت أنه يبحث عن غرفة بها سرير يفتح ويخلق الأبواب  مطلا برأسه

- انتظريني هنا . سأعود حالا .

 أدخلها إلى أحد المكاتب وغاب . آه لو أنها انتهزت هذا الغياب وعادت إلى الحافلة قبل أن يعود . الحافلة بدورها في حالة تفتيش وتراجع الركاب في تأشيرات الدخول والخروج، الحقيبة وأوراقها وما زالت بين يدي زملائه يستحيل الذهاب بدونها...

فاجأها دخول شرطي متقدم في السن إلى المكتب . أساريره تنضح بالتواطؤ، بادرها بالقول :

- إنه شاب حميد الخصال أرجو إن تعتني به .

 أسقط في يدها . القضية اتضحت والكل متواطئ . ليس هناك حتى إمكانية التشكي إلى الرئيس . بل يوصي به خيرا.. هل هو ابنه ؟ أهو مركز حراسة الحدود أم تجاوز كل الحدود ؟

هذه مغبة السفر وحيدة. ليس معها صديق ولا صديقة لمتابعة قضيتها إن حجزت هنا . ركاب الحافلة ليس فيهم من تتوسم فيه الإغاثة . غربتها في تلك الحافلة تساوي غربتها في ذلك المكتب . هذا مأزق حقيقي .. آتى بها للتفتيش وها هو الآن يفتش عن سرير

  !!

عليها إن تجد حلا وبسرعة. إن صعدت الموقف قد تلصق بها تهمة حمل المخدرات . بلدها مشهور بزراعتها حضرت إلى ذهنها صور المخدرات المعروضة للبيع في إحدى مقاهي الشمال .. معروضة مثل قطع الحلوى ومكتوب عليها المصدر والسعر.  شعرت بالإهابة حين وجدت اسم بلدها من بينها، كل الشعوب تبحث عن مخدرات، في الشرق وجدتها في نبات القنب، في الغرب وجدتها في كروم العنب.. تفاعل  الشرق والغرب  فأوجدا مخدرا صناعيا .. كلاهما يبحث فيه عن عالم الدفء، عالم الأحلام المفقودة، عالم الأوهام الضائعة . انتبهت إلى وقع خطوات منتظمة، عاد المفتش مبتسما . بادرته متسائلة :

- أما زلت ستفتشني ؟ أٍريد  أن أعود إلى الحافلة .. الكل ينتظرني .

لم يرد عليها . أخذ يدها وطبع عليها قبلة ناعمة . سحبها إلى صدره وأحاط كتفيها بذراعيه الضخمتين .أخذت بدورها تتمعن فيه، كان وسيما ومعاملته تنبعث من إعجابه بها لا من سلطته !!

- لا تخافي، تعالي معي .

تبعته . كان متوجها بعزم نحو إحدى الأبواب . فتح باب حجرة وأدخلها معه. حجرة فارغة لكن بها سرير جلدي مثل سرير  الفحص الطبي .

- اجلسي لحظة . جلس بجانبها ملتصقا بها . أخذ يقبلها بنعومة وهي تحاول تفادي قبلاته . دس يده تحت ملابسها . سارت يده تداعب جسدها . سرت فيه رعدة . حرارة جسمها لسعت يديه.. كان عقلها يبحث عن مخرج من هذا  المأزق، عن ثغرة للإفلات . 

جسما يتفجر أنوثة ورغبة  .. أحست بدورها برعشة خفيفة .. لمسات يديه رقيقة، عذبة، خبيرة . كل منا يسكنه  مارد ما، إما تنبعث منه شرارات شرهة، أو  تفيض موجات حنانه، لا تكون الإستجابة دائما من وحي اللحظة، هي من وحي الأعماق، خيوط خفية تحركها، هي تختمر سنين طويلة تثير الإستغراب  حين نود أحيانا أن نفسرها، أن نبررها .

-أترين لقد اشتهيتك حين خلعت ملابسك، أنت جميلة جدا.  أريد أن أمارس الحب معك  لا تحرميني هذه المتعة .

ظلت صامتة تتأمله مصطنعة البرود أخذ  وجهها بين كفيه وظل يحدق فيها  النظر . 

- أحب  سمرتك تذكرني بحرارة وسمرة رمال الصحراء . أشعر بدفء الشمس يغمرني وأنا ألامس جسمك الناعم .

فكرت..  روح شاعرية أم بحث عن الغرائبية ؟

أحست بدبيب الرغبة يسري في بدنها لمسات يديه المحنكة استثارتها لكن..

- أنا بدوي أشتهيك لكني لا أستطيع.

- كيف لماذا ؟

-إنني في فترة الإخصاب لن يرضيك ان اذهب من هنا بجنين في بطني،

تتمادى في الإيهام بالقبول والرفض في آن واحد . مدت يداها تلامس وجهه في حنان . سألها :

- ألا تستعملين أقراص منع الحمل أو اللولب ؟

الرجل اخترع عدة لعب دقيقة تدسها المرأة في جسدها، وعدة  أقراص كيماوية تمزج بدمها، وتعاني منها حتى لا تعاني هي أو الرجل من أرجاء عملية الجنس . الإنسان الحديث لا يلوث بيئته فقط بل يلوث جسم المرأة وجسم الحيوان!!

في الحالة الأولى ليتحكم في وقف الإنتاج، وفي الثانية زيادة الإنتاج، أما أن  يتحكم في رغبته الحميمية فذلك يفوق علمه وحداثته .

- لا، لا أستعملها، أخاف منها . اتركني لأعود إلى الحافلة

أبدى دهشته حين سمع جوابها . هذه امرأة متخلفة لا تعرف التقنيات العلمية التي تحصن ممارسة الحب دون خوف لا اقتصادي ولا اجتماعي .

- لا تنزعجي استطيع التصرف .

ظل مندمجا في حالة الرغبة والشبقية لا يرى أمامه إلا إشباعها، التنفيس عنها .

لا بد من مواصل "مرافعة". التملص دون إحداث أي شرخ يسحقها بين فكي الشرطة .

أحاطت عنقه بذراعيها وصارت تقبله كما تقبل ابنها . يداه يجوسان خلال ثنايا جسمها..

- صدقني، أنا أيضا أشتهيك، ليس لدينا وقت كاف . الحافلة وركابها ينتظرون . أجل الموضوع . تعال زرني في بلدي، خذ إجازة وتعال سنستمتع معا . بالبحر والشمس والرمال الذهبية الدافئة  . أرجوك أن تفعل ذلك في أقرب فرصة . سأكون جد سعيدة بلقياك . أنافي انتظارك . هيا نخرج من هذا المكان  فأنا أكاد أختنق .

كانت تطبع على خديه قبلات سريعة وهي تحدثه . سحبته من يده وتبعها مطيعا وهي لا تكاد تصدق نفسها . ما أن اقتربا من القاعة القريبة من مدخل مركز حراسة الحدود حتى انتبه إلى أنه لم  ينل شيئا .

حرن، حدست  شعوره . أخذت يده بين يديها تربت عليها قائلة :

- لا تكن أبلها ً. لقد اتفقنا . سنقضي معا أياما سعيدة . سترى .

لم تميز ما كان يغمغم مكلوما . ضجة الجدد حجب تذمره وساعد في تحويل انتباهه .

اتجهت إلى الطاولة التي كانت محتويات حقيبتها مبعثرة عليها، لملمتها، اقترب منها ليساعدها في ذلك .  قال لها بصوت خافت :

-لا افهم، أشتهيك وترفضين وتؤجلين . لن تكون لي فرصة لآتي إلى بلدك .

 أجابت :

- لا أرفض بل المكان غير مناسب، ثم إن ممارسة الحب شيء جميل وله طقوسه، يجب احترامها . أنت متفهم أليس كذلك ؟

كان بودها أن تسأله كيف أن وضعه كمفتش يعطيه الحق في عناق من هو متهم حتى تثبت براءته . لو أوحى لها فقط بالفرق بين التفتيش والتشبيب  لكان الأمر أهون .  لو فعل لتفادت الخوف من إلصاق تهمه بها .

انتهت من لم حاجياتها، توجهت إلى باب الخروج . التفتت وجدته في مكانه يتابعها بنظراته . سارت إليه وقالت له بهمس :

-قبلاتي لا تنسى، انتظر ..

انطلقت مهرولة نحو الحافلة حتى تشعر أنها طليقة . الريح باردة تجمد الأطراف وتلطف حرارة التفكير.

 بحيث جسدي أم بحث بوليس، الحدود بينهما مختلطة، كل الحدود.

استقرت في مقعدها . نظرات الإستفهام تنهل عليها من كل حدب . ليفهم الركاب ما شاءوا لن تفتح لهم أية نافذة على ما حدث في قسم التفتيش . لن تتخلى عن هوايتها في الإنفراد .

 1989الرباط

 

    ْ

   

زبيدة بورحيل

مديرة تحرير مجلة البحث العلمي . الرباط. وأستاذة الفلسفة متقاعدة بجامعة محمد الخامس .نشرت عدة  مقالات بكندا

في مجلات كندية كثيرة

وحوارات عديدة

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2024 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2024 Copyright, All Rights Reserved