" أيام زمــان" قطعة موسيقية معدّة لثلاثة عازفين

2008-07-17

" لق//api.maakom.link/uploads/maakom/originals/2dbc921f-dfb2-4eb0-85ab-db00f9e0a4be.jpeg د فعل بنتر ماقاله أودن حول ما ينبغي على الشاعر أن يفعله، فقد نظف قنوات اللغة الأنكَليزية من شوائبها، فأصبحت مفرداتها تجري برشاقة وسلاسة.. "

ديفيد هير


إن الماضي يشكل الخيط الرئيسي الذي تنسج منه الكثير من الحبكات البنترية، ومسرحية " أيام زمان " هي استمرار لدفق الكاتب في معالجاته الشعرية لموضوع ( الزمن والذاكرة ) والذي كان قد إستهله بـ " حفلة عيد الميلاد " و " الحارس " و " عرض الأزياء " متتبعاً بذلك خطى سلفيه صموئيل بيكيت ومارسيل بروست.


(الذاكرة وتأويلاتها)


إن ف//api.maakom.link/uploads/maakom/originals/a422170c-7d26-48f9-8bf8-7117b36df996.jpeg ضاء أحداث هذه الكوميديا الغنائية الفانتازية هو الماضي، أما مفتاح الدخول إليه فهو " الذاكرة "، والذاكرة هنا لا يمكن التعويل على مصداقيتها كثيراً، ذلك إنها تستدعي الأحداث المشتركة لمثلث الشخصيات عبر تأويلات ورؤىً متباينة. فكل شخصية تقوم برسم صورة ذلك الماضي المشترك وفقاً لأهدافها، وهذا ما يخلق بدوره نوعاً من التعارضات تقود إلى نزاع وجودي حاد لا يقبل أي تسوية. حين نبحر في عالم فانتازي يقرب من الشعر والتداعيات وينأى عن الراهن اليومي الملموس، حينها بوسعنا مجازاً أن نسميه " نزاع الذاكرة ".


تفتح ستارة العرض لتكشف أمام أبصارنا غرفة كئيبة في منزل منعزل يطل على ساحل البحر. يتوسط الغرفة من الجانبين سريرين منفصلين ومتباعدين، يجلس عليهما الزوجان دييلي وكـَيتْ وهما صامتين، وبسبب إنعكاس زرقة الماء والسماء على أرضية الغرفة المصقولة يبدو السريران كما لو أنهما زورقين تائهين وسط البحر.

أهو موطن إفتراضي للروح، أم أنه لوحة إنطباعية عن الذاكرة؟

إن صمت //api.maakom.link/uploads/maakom/originals/d2e9028c-b220-4111-8740-a14b34635b99.jpeg الزوجين دييلي وكـَيتْ وهما يجلسان كلٌّ منهما على سرير منفصل وخلفهما ضجيج أمواج البحر، يفتح شهيتنا ومخيلتنا على أسئلة شائكة تطال طبيعة هذه العلاقة المبهمة لهذين الكائنين المنعزلين.


إنها قطعة موسيقية معـّدة لثلاثة عازفين، أما العازف الثالث فستكون آنـّـا، المرأة القادمة من الماضي، من عشرين عاماً مضت، آنـّـا الصديقة القديمة لكـَيتْ يوم كانتا تعملان موظفتين في لندن وتعيشان في غرفة واحدة.

إن حضور آنـّـا، في زيارتها المفاجئة هذه وهي قادمة من صقلية لرؤية كـَيت، سيصبح المفتاح لحل مغاليق الكثير من هذه العلاقة.


الحوار الأفتتاحي بين دييلي وكـَيتْ بشأن آنـّـا، يرسم لنا ملامح شخصية إمرأة غائمة ومبهمة، فزيارتها المفاجئة بعد كل تلك الأعوام يصبح عاملاً مقلقاً حقاً للزوج، وهذا ما نحسه من حوارهما الحذر المتنافر والمراوغ.

لنستمع إلى هذا المقطع من حديثهما: (*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


كـَيتْ : عتمة.

( وقفة)

دييلي: هل هي نحيفة أم بدينة؟

( وقفة )

كـَيتْ: إنها أكثر بدانة مني، كما أظن.

دييلي: في ذلك الوقت؟

كـَيتْ: أظن ذلك.

دييلي: ربما قد//api.maakom.link/uploads/maakom/originals/ba8c2c24-443a-48ca-8ff7-13a2a134f901.jpeg تغيرت الآن.

( وقفة )

هل هي أفضل صديق لك؟

كـَيتْ: أوه، ماذا يعني ذلك؟

دييلي: ماذا؟

كـَيتْ: كلمة صديق... حين تنظر إلى الوراء... بعد كل ذلك الوقت.

دييلي: هل بمقدورك أن تتذكري مشاعرك يومها؟

( وقفة )

كـَيتْ: لقد كان ذلك منذ وقت طويل جداً.

دييلي: لكنك تتذكرينها. وهي تتذكرك. أو، لماذا تريد أن تأتي إلى هنا هذه الليلة؟

كـَيتْ: أظن لأنها تتذكرني.

( وقفة )

دييلي: هل تعتقدين أنها أفضل صديق لك؟

كـَيتْ: إنها صديقتي الوحيدة.

دييلي: الوحيدة والأفضل.

( وقفة )

كـَيتْ: إذا كان لديك شيء واحد فقط لايمكنك القول إنه أفضل من أي شيء.

دييلي: لأنك ليس لديكِ شيء آخر لتقاريننه به، أليس كذلك؟

( وقفة ) ... ( يبتسم دييلي لها )

كانت بالنسبة لك شيء لايضاهى.

كـَيتْ: لا أظن ذلك.

( وقفة )

دييلي: لم أكن أعرف أن لديك أصدقاء قليلون.

كـَيتْ: لم يكن لدي أصدقاء على الأطلاق. لم يكن لدي أحد سواها.

دييلي: ولماذا هي بالذات؟

( وقفة )

كـَيتْ: لا أعرف.

( وقفة )

كانت لصة. كانت تسرق بعض الأشياء.

دييلي: ممن؟

كـًيتْ: مني.

دييلي: وماهي تلك الأشياء؟

كـَيتْ: بعض الأشياء.. أشياء صغيرة. ملابس داخلية.

( يضحك دييلي )

دييلي: هل ستذكرّينها بذلك؟

كـَيتْ: أوه، لا أظن ذلك.

( وقفة )

دييلي: أهذا هو ما جذبك نحوها؟

كـَيتْ: ماذا؟

دييلي: إنها كانت لصة.

كـَيتْ: كلا.

( وقفة )

دييلي: هل أنت مشتاقة لرؤيتها؟

كـَيتْ: كلا.

دييلي: أما أنا فمتشوق جداً لرؤيتها. سأكون مستمتعاً جداً حقاً.

كـَيتْ: بماذا؟

دييلي: بكِ. سأتطلع إليك وأنت تقابلينها.

كـَيتْ: أنا؟ لماذا؟

دييلي: لأرى إن كانت هي ذات الشخص الذي تتحدثين عنه.

كـَيتْ: وهل تظن أنك ستعرف كل ذلك من خلالي؟

دييلي: حتماً.

( وقفة )

كـَيتْ: إنني بالكاد أتذكرها. لقد نسيتها تقريباً.

( وقفة )

دييلي: هل لديك أية فكرة عما كانت تحب أن تشرب؟

كـَيتْ: كلا.

دييلي: محتمل أن تكون نباتية.

كـَيتْ: يمكنك أن تسألها.

دييلي: فات الأوان. لقد قمتِ بإعداد الطعام وإنتهى الأمر.

( وقفة )

ولماذا لم تتزوج؟ أعني لماذا لم تأتِ بزوجها معها؟

كـَيتْ: إسألها.

دييلي: أينبغي عليّ أن أسألها عن كل شيء؟

كـَيتْ: هل تريدني أن أطرح أسئلتك عليها نيابة عنك؟

دييلي: كلا، كلا على الأطلاق.

( وقفة )

كـَيتْ: بالطبع هي متزوجة.

دييلي: كيف عرفتِ؟

كـَيتْ: الجميع يتزوجون.

دييلي: لماذا لم تأتي بزوجها معها إذاً؟

كـَيتْ: وهل ستأتي من دون زوجها؟

( وقفة )

دييلي: هل ذكرتْ لك شيئاً عن زوجها في رسالتها؟

كـَيتْ: كلا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


دييلي، وهو يستوضح من كـَيتْ طبيعة العلاقة القديمة التي تربطها بآنـّـا، يحاول أن يجمع كسر من حطام تمثال تخييلي لينحت منها بورتريه آخر لآنـّـا، أو بالأحرى هو يستعد لمواجهة خصم سيقتحم منزل النائي المنعزل ( مملكته ) من أجل تقويض سلطته والأستحواذ على ملكيته ( كـَيتْ )، هكذا يفكر دييلي، إلا أن صمت زوجته وحديثها المقتضب والمراوغ يستفز ذكوريته ويقلل من هيبته ويضاعف من شكوكه وقلقه في إمكانية الهزيمة.

إن لغة بنتر هنا هي لغة مبّطنة، لغة إسراف شفوي يفتقر لدليل ملموس، لغة إحباط ثقافي، لغة حسية شهوانية، وذلك من شأنه أن يوسع ويعّمق أسئلتنا بشأن علاقة هاتين المرأتين.


المؤلف بنتر والمخرج روجر ميشيل، بدل أن يضيئا لنا المعتم من الصورة، يوقعوننا منذ البدء بفخ الألتباس، حين يظهرا أمامنا آنـّـا واقفة في منطقة شبه معتمة في خلفية المسرح، تتطلع نحو البحر مصغية إلى ضجيجه الممتزج بحديث الزوجين عنها.


وجود آنـّـا في تلك المنطقة المعتمة دون أن يراها أحد من الأثنين، توحي لأول وهلة، كما لو أنها طيف أو شخصية وهمية، أو أنها ليست سوى مجرد بورتريه من صنع مخيلتهما، إلا أن إقتحامها المفاجىء والمباغت لهما وهما يتحدثان عنها، يزعزع تلك الصورة التي افترضناها سلفاً ويضعنا وجهاً لوجه أزاء شخصية واقعية محسوسة يبعث حضورها إحساساً بالخوف وتوجساً من حدوث خطر، معيداً إلينا صورة الرجلين الغريبين اللذين إقتحما المنزل الآمن الذي كان يلوذ به ستانلي في مسرحية " حفلة عيد الميلاد ".


حديثها الأفتتاحي أشبه بمرثاة غنائية شجية لأيام مضت، لحانات قديمة تلاشت وأغان ٍ عتيقة توارت، مرثاة للغة عامية إندثرت، وممارسات حب عفوية نقية زالت، لوجوه وأسماء كانت يوماً ما تتألق لكنها إنطفئت في حفلات الذاكرة.

فلنستمع إلى هذه التداعيات في حديث آنـّـا مع كـَيتْ: (*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


آنـّـا: هل تتذكرين وقوفنا في طابور الأنتظار طوال المساء تحت المطر؟

ألبرت هول، كوفيرن كَاردن، ياإلهي، أتذكرين ماذا تناولنا حينها؟

آه، العودة إلى الماضي.. إلى منتصف الليالي تلك حين كنا نمارس الأشياء التي نحب. كنا يومها شابتان بالطبع.. لكن أيّ قدرة على الصبر والأحتمال كانت لدينا!

يا إلهي.

ثم.. الذهاب إلى العمل في اليوم الثاني.. وبعدها في المساء نذهب إلى حفلة موسيقية أو أوبرا أو باليه. كـَيتْ، هل نسيت كل ذلك؟

و.. صعودنا فوق إلى الطابق العلوي للباص الذاهب إلى كينسنكَتون هاي ستريت، وقاطعوا تذاكر الباص.

و.. بعدها إنطلقنا بسرعة، بسرعة لجلب أعواد ثقاب لأشعال المدفأة.. وأظن أننا مزجنا البيض، أليس كذلك؟ من قام بطهي الطعام.. هه.. أنت أم أنا؟

آه، لقد كنا نقهقه و نثرثر معاً، نتجمع حول المدفأة معاً، وبعدها.. بعدها نذهب إلى السرير للنوم. وفي الصباح، يبدأ الصخب والضجيج والحركة من جديد، نركض نركض مسرعات، لنلحق بالباص للذهاب إلى العمل. آه، ثم.. وجبات الغداء فترة الأستراحة في الظهيرة في كَرين بارك، هناك كنا نجلس ونتبادل أخبار بعضنا البعض وبيدينا ساندويتشاتنا، هه. فتاتان بريئتان، سكرتيرتان بريئتان. وبعدها يأتي المساء.

الله وحده فقط يعلم ماذا تختزن الذاكرة من بهجة وإثارة.. أعني كل تلك التوقعات المشرقة، وأيضاً البحث عن طريقة ما لتجنبها.

فقيرتين كنا، فقيرتين جداً، لكن، أن تكوني فتاة فقيرة وشابة، وفي لندن فهذا... ثم عثرنا بعدها على مقهىً، مقهىً خاص منعزل تقريباً، أليس كذلك؟ هناك حيث يحتشد الفنانون والكتـّاب، وفي بعض الأحيان الممثلون والراقصون. كنا نجلس ونحن بالكاد نتنفس.. نرتشف قهوتنا ورؤوسنا محنية كي لا يرانا أو يزعجنا أو يصرف إنتباهنا أحد.

كنا نصغي ونصغي ونصغي لكل تلك الكلمات، كل تلك المقاهي، وكل أولئك المبدعون.

آه كـَيتْ، ُترى، أما زال كل ذلك موجوداً حتى الآن، هه؟ هل لديك فكرة.ها؟ هل تعرفين؟ هل يمكنك أن تخبريني بذلك؟

( وقفة قصيرة )

دييلي: نحن نادراً ما نذهب إلى لندن.

( تنهض كـَيتْ وتتجه صوب طاولة صغيرة لتسكب قهوة لهما )

كـَيتْ: نعم.. أتذكـّر كل ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


في حواره القادم، حواره المراوغ مع آنـّـا، يسعى دييلي إلى إختلاق حكايات من الماضي تنقض حكاياتها هدفاً في إقصائها تماماً عن كـَيتْ. فهو لا يتردد مثلاً من تذكيرها أنها سمحت له مرة أن يلقي نظرة على ملابسها الداخلية، تلك التي سرقتها من كـَيتْ!


واقع الأمر أن نزعة التملك والأستحواذ هما الصفتان المشتركتان بين هاتين الشخصيتين، فكلاهما يندفع نحو إختلاق حكاية من شأنها إقصاء الآخر، وإثبات أحقيته في حيازة كـَيتْ.


فالحكاية التي تستدعيها ذاكرة آنـّـا، تثبت أن لا وجود لشخص إسمه دييلي في ماضي حياتيهما، وأنها، أي آنـّـا، هي التي كانت قد حضرت عرض فيلم " المنبوذ "(**) مع كـَيتْ وليس دييلي كما يزعم.


أما دييلي فيدعّي في حكايته إلى أنه عاد تلك الليلة هو وكـَيتْ بعد مشاهدتهما فيلم " المنبوذ " إلى غرفتهما المشتركة( غرفة آنـّـا وكـَيتْ ) مذكراً أياها بأنه قاسمها سريرها تلك الليلة، بل يذهب إلى أبعد من ذلك زاعماً أنه كان على معرفة دقيقة بها، وحتى أنه كان يظنها كـَيتْ!.


حسناً، إذا كانت الذاكرة هي سلاح لكلا المتناحرين، وإن الحكايتان ليستا حقيقيتان، فليس أمامنا، في هذه الحال، إلا الأعتماد على العازف الثالث لهذه القطعة الموسيقية، أعني كـَيتْ، كمصدر للتصويب، إلا أن بنتر يغشي أبصارنا ويجعل الصورة ضبابية أكثر حين يضفي على شخصية كـَيتْ صمت محيرّ ومشوش، صمت قاتل يدفعنا إلى إمكانية تصديق كلتا الحكايتين على حد سواء.


إنها مياه عميقة معتمة، حيث الذاكرة تمتزج بالرغبة، ودييلي يكتسب شيئاً فشيئاً مهارات جديدة في الدفاع عن النفس عن طريق إختلاق وخلط وتأويل ذكريات متعارضة هدفاً في التحدي.


حين ُتستأنف المناوشة الكلامية بين الخصمين تفوح منها رائحة الوضاعة والبذاءة الجنسية هذه المرة، عندئذ تنصرف كـَيتْ لتأخذ حّماماً كتلميحة بنترية خاطفة محاولة منه لإبعاد بطلته عن قذارة وأدران مستنقع ذاكرتيهما الخربة ونزعتيهما البهيمية في الأستحواذ. تغادر كـَيتْ ليوسع المؤلف ساحة المعركة بين دييلي وآنـّـا. فإي منهما يا ترى سيستحوذ على كـَيتْ؟


في حوارهما المهموس وهما يتحدثان عن طبائع كـَيتْ وكيف كانت تأخذ حمّامها، تأخذ اللغة منحىً حسياً هذه المرة، فكل متنافس يدعّي معرفته بدقائق جسدها وطريقتها في إغتسال جسدها أوتجفيفه.. إلخ.. وهذا ما يبرز سؤالاً آخراً عن الطبيعة الخاصة لعلاقة هاتين المرأتين، ُترى، أهي علاقة مِثلية؟


من خلال كِسَرْ المعلومات المتشظية التي يحصل عليها من آنـّـا، يحاول دييلي أن ينحت تمثالاً لكـَيتْ أخرى هذه المرة، لكن بسبب تباين وتعارض المعلومات التي تزودهما بها ذاكرتيهما تتقاطع الصور والحكايات فيحتد النقاش ليتحول إلى نزاع كلامي مسعور، يحاول كل طرف فيه إقصاء الآخر من محاولةالأستفراد بالضحية..


حسناً،إذا كانت آنـّـا هي الصديقة الوحيدة لكـَيتْ في شبابها على حد قولها، فهل يمكن في هذه الحال التعويل على ذاكرتها؟ أم إنها إختلقت كل هذه الأشياء فقط كي تغيظ زوج صديقتها؟


حين يستوضح دييلي عن صحة ما تقوله، إن كان قد حدث حقا أم لا، تجيبه آنـّـا إجابة مفعمة بالغرابة والأبهام، قائلة:


"ثمة أشياء يتذكرها المرء على الرغم من أنها، ربما، لم تحدث على الأطلاق.

هناك أشياء أتذكرها أنا مثلاً من الممكن جداً أنها لم تحدث على الأطلاق، لكن، بما أنني أتذكرها، فهذا يعني أنها حدثت".


يتوصل دييلي في الآخـٍر إلى قرار هو أن يغزو آنـّـا ويمتلكها جسدياً هذه المرة، لأنه يظن إن المرأتين هما كيان واحد غير منفصل لذات الفانتازيا التي يشعر بشكل يائس بأنه يقصى عنها الآن، مثلما أقصي عنها منذ عشرين عاماً، لذا لابد من حيازة الأثنتين معاً تجنباً لتكرار التجربة.


حين تعود كـَيتْ من غرفة الأستحمام، تنقلب المعركة الكلامية إلى منافسة غنائية ذات طابع إحتفالي صاخب، يحاول كل منشد فيها أن ينشد المقطع الذي يخدم غرضه من نفس الأغنية.


الأغاني القديمة التي غنيّت في العرض هي:

The way you look tonight -

They can't take that away from me -

Blue moon -

lovely to look at -

وغيرها من الأغاني التي إشتهرت في الأربعينات من القرن الماضي..


اللغة والجنس هما بمثابة سلاح المنافسة الغنائية هذه، والمنتصر فيها هو من يستطيع إختيار المقطع المحدّد من الأغنية وتوظيفه من أجل تأويل ذلك الماضي.

إنها أشبه بلعبة التنس، كيف سيرمى أحد اللاعبين الكرة، وكيف سيحاول الآخر تفاديها ؟

فجأة يتخلخل ميزان المعركة، حين تخرج كـَيتْ عن صمتها منتفضة ضد صديقتها القديمة، محتجة بعنف على تجاهل الأثنين لها ومعاملتهما لها كما لو أنها دمية أو شخص ميت. كـَيتْ تتنكر لأي علاقة بآنـّـا، قائلة لها أنها كائن ميت ولا وجود لها في حياتها الماضية على الأطلاق.


نكران هوية آنـّـا من قبل كـَيتْ يُشعر دييلي حالاً بهزيمة خصمه، إلا أن مراوغة كـَيتْ وفطنتها تعيدان التوازن بعجالة لكلا الكفتين، لـُتستأنف المعركة، ولتحّـلق هي وحيدة بعذوبة في فضاءات أيام زمان متذكرة صديقتها القديمة وجولاتهما في المسارح والحفلات الموسيقية والحانات ولقائاتهما بالرسامين والشعراء، عندذاك تختل كفة دييلي وتتزعزع سلطته هذه المرة لأحساسه بإقتراب لحظة الهزيمة.

تلعب كـَيتْ هنا دور المايسترو في هذا الكونسيرت، فهي التي تتحكم بموازين المنافسة، وهي التي تؤجج صراع الإرادات والرغبات ثانية، جالسة على كرسي وظهرها نحونا تتطلع نحو المعركة بصمت مبهم وهدوء ذو مسحة تهكمية، فكلا الخصمين مهزوم في النهاية والمنتصر الوحيد في هذه المعركة هي كـَيتْ..


إن إستجابات دييلي لا تحركها الصدفة، فهو منذ البدء، يبدو محبطاً، ووضعه الذكوري غير الآمن هو الذي يدفعه لتلفيق علاقات وأحداث وهمية.

إذاً، هل كان لآنــّا وجود حقيقي في الماضي، أم أنها مجرد وهم؟


الحقيقة أن آنـّـا، حتى لو إفترضنا أنها وهم، إلا أنها موجودة ومنذ عشرين عاماً في ذاكرة كل منهما، وهي لم تغادر تلك الذاكرة قط، ولن تفعل ذلك مطلقاً، ولا تستطيع مغادرة تلك الغرفة حتى النهاية. لقد حاولتْ ذلك، إلا أن ذلك كان مستحيلاً.

إن دييلي وكـَيتْ كانا قد فقدا أية صلة بينهما وتوقفا تماماً عن أن يكونا زوج وزوجة، والدليل سريريهما المنفصلين، لكنهما لم يعدا قادرين على الأستمرار في الوجود تقريباً من دون إستحواذ الشخص الثالث على تفكيرهما، والصور الذهنية التي تعكسها الذاكرة المفتوحة توضح كل ذلك.

إنها حالة من بلوغ نوع من المجازات الذهنية إتخذت الصمت ترميزاً لها.


ها أننا نقترب من ختام المعركة والعرض معاً من دون أن يحرز أي من المتنافسين نصراً. تستلقي كلتا المرأتين، كلٌّ على سرير منفصل، فيما يجلس دييلي على الكرسي وظهره نحونا متطلعاً نحوهما مثل متفرج في مسرح وهو ينتحب كطفل، تماماً كما حدث في الماضي، مستعيداً ذكرى محاولته المحبطة تلك في غرفة الفتاتين قبل عشرين عاماً مضت.. بعدها تسود المكان العتمة والصمت.


(هزيمة الرجال الجوف)


المخرج روجر مايكل عالج ثيمة المسرحية بنكهة فارس موسيقي، مسلطاً الضوء على النزعة الذكورية الأستبدادية وسط المؤسسة الزوجية مجسداً بشخصية دييلي دور المستبد، ذلك الدور الذي فقده في الخارج، أعني إحباطاته كمخرج سينمائي، الذي يدفعه إلى نقل شخصية المستبد من ساحة تصوير الأفلام وتفريغها، كنوع من الأسقاط، في بيت الزوجية.


إن جعجعته وتبجحه كمخرج بارز أحاله إلى كائن ثرثار أجوف، يوازيه من جانب آخر صمت كـَيتْ المثخن بعذاباتها المكبوتة، الصمت الذي سيهزمه في الآخر ويجعله يركع تحت قدميها ندماً ولكن بعد فوات الأوان.

إن الصمت الفلسفي لكـَيتْ ينتزع منه إعترافاً غير معلن، في أنها تمتلك حياة ً خاصة بها، وهذه هي الحقيقة التي تجعله ينهار ويُهزم.


(البحث عن الزمن المفقود)


مرة أخرى من هي آنـّـا؟


إن ظهورها في مستهل العرض وهي تتطلع صوب البحر وتصغي إلى صخبه، والذي كان يتناغم تماماً وحوار الزوجين وهما يتحدثان عنها، أعطى إنطباعاً بصرياً وسيكولوجياً أن آنـّـا، هي إلى حد ما، أشبه بظل كـَيتْ أو طيفها، ولكي نكون أكثر دقة نقول أنها تجسد ذلك النصف الثاني المخفي من شخصيتها، فهي، في هذه الحال، تقوم بوظيفتين في ذات الوقت، الأولى أنها تشكل مصدر تهديد لحياة وقناعات دييلي، وتمثل ثانياً المعادل البصري لزمن كـَيتْ المفقود.


بنتر يشرع بوابات الماضي على مصراعيها ليفتح الطريق لذلك الطيف الملازم لهذه الزيجة طوال كل هذي السنين من أن يغزو راهن هذا العقد الذي قيد الأثنين.


بمعنى آخر إن المخرج والعرض عموماً إستطاعا أن يخلقا من آنـّـا صورة مجازية تعكس الجانب المتمرد المخفي والمكبوح من شخصية كـَيتْ، كـَيتْ أيام زمان، كـَيتْ العزباء، الفتاة الشابة والسكرتيرة المرحة، كـَيت المتحررة من قيد الأستبداد الذكوري الذي تنتجه السجون الزوجية.


إن أعمال بنتر في الواقع يمكن رؤيتها على أنها أشبه بسلسلة من الأضاءات تكشف عن أساليب وأشكال التهديد والتسلط والأستحواذ، سواء كان ذلك على المستوى الشخصي أو السياسي، ناهيك عن أن تلك الثيمات تتضمن أيضاً تحليلاً ساحراً لموضوع الذاكرة، الذاكرة بصفائها الهذياني ومصداقيتها المحتملة، أما الأخطر في الأمر فهو توظيفاتها الملتوية في الأطار الذي توضع فيه، وهذه الثيمات يمكن العثور عليها بجلاء في مسرحية " أيام زمان "..


***

من على خشبة مسرح ويندام:


ـ الممثل جيرمي نورثام بدور دييلي.

ـ الممثلة جينا ماكي بدور كـَيـتْ.

ـ الممثلة هيلين ماكروري بدور آنـّـا.

ـ مصمم الديكور: وليم دادلي

ـ مصمم الإضاءة : ريك فيشر

ـ إخراج: روجــر ميشيل.


***


(*)

مقاطع من مسرحية " أيام زمان " مترجمة ضمن كتاب معّد للنشر يحوي أربعة مسرحيات مترجمة لهارولد بنتر هو بعنوان " دراما الذاكرة ".

والمسرحيات هي : ( أمسية، صمت، منظر طبيعي، أيام زمان).. ترجمة ع. ك.


(**)

فيلم " المنبوذ " هو من إخراج البريطاني كارول ريد( 1906- 1976) وهو فيلم أنتج عام 1947 في مرحلة افلام الأبيض الأسود، ومثل دور البطولة فيه جيمس ماسون وروبرت نيوتن إلى جانب الممثلة كاثلين ريان. ( الأنسكلوبيديا العالمية للفيلم )

 

***


علي كامل

لندن

alikamel50@yahoo.co.uk

 

 

***

 

معكم هو مشروع تطوعي مستقل ، بحاجة إلى مساعدتكم ودعمكم لاجل استمراره ، فبدعمه سنوياً بمبلغ 10 دولارات أو اكثر حسب الامكانية نضمن استمراره. فالقاعدة الأساسية لادامة عملنا التطوعي ولضمان استقلاليته سياسياً هي استقلاله مادياً. بدعمكم المالي تقدمون مساهمة مهمة بتقوية قاعدتنا واستمرارنا على رفض استلام أي أنواع من الدعم من أي نظام أو مؤسسة. يمكنكم التبرع مباشرة بواسطة الكريدت كارد او عبر الباي بال.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
©2024 جميع حقوق الطبع محفوظة ©2024 Copyright, All Rights Reserved